السيناريست عماد النشار يكتب: القصر أسهل من النفق.. عندما تتحول الجغرافيا إلى سلاح
كثيرون يتساءلون، كيف تستطيع قوة عسكرية عظمى أن تنفذ عملية خاطفة في قلب دولة، وتصل إلى رئيسها داخل مقر إقامته المحاط بالحرس والجيش، بينما تعجز عن تنفيذ عملية مشابهة ضد قادة المقاومة في غزة رغم حرب طويلة ومفتوحة؟
السؤال يبدو بسيطاً، لكن إجابته تكشف جوهر الصراع الحديث وحدود القوة العسكرية مهما بلغت.
الفرق الأول يبدأ من طبيعة البيئة نفسها،في الدول التقليدية، السلطة معروفة ومتمركزة، ومراكز القرار محددة، والجيش والأمن يعملان ضمن هياكل واضحة،هذه البنية تجعل الاختراق ممكناً، خاصة عندما تتعرض الدولة لضغوط اقتصادية أو سياسية تضعف الولاءات الداخلية، وضع مليون خط تحت الولاءات الداخلية، عندها تصبح المعلومة متاحة، والحركة محسوبة، والعملية قابلة للتنفيذ بدقة عالية.
أما في غزة، فالصورة معاكسة تماماً، لا توجد سلطة مركزية واحدة يمكن شلّها، ولا شبكة اتصالات يمكن مراقبتها بسهولة، وبيجر حزب الله وهواتف إيران ليس ببعيد ، ففي غزة العمل قائم على خلايا صغيرة لا تعرف الكثير عن بعضها، وعلى وسائل بدائية في ظاهرها، لكنها فعالة في إغلاق الطريق أمام الاختراق، في مثل هذه البيئة، لا تفشل التكنولوجيا لأنها ضعيفة، بل لأنها لا تجد ما تمسك به،ثم يأتي عامل الأرض، العمليات العسكرية الحديثة تعتمد على الرصد، والتفوق الجوي، والدقة عن بعد، هذا كله يعمل بكفاءة عندما يكون الهدف فوق الأرض، مكشوفاً، ثابتاً نسبياً.
لكن في غزة، المعركة الحقيقية ليست في الشوارع فقط، بل في عالم آخر تحتها،شبكة الأنفاق لا تحمي الأفراد فحسب، بل تربك منطق الحرب نفسه، الطائرات لا ترى، والأقمار الصناعية تفقد قيمتها، والقوات الخاصة تجد نفسها في مساحة لا تشبه أي ساحة قتال تقليدية.
اقرأ أيضاً
السيناريست عماد النشار يكتب: صدق أو لا تصدق.. هتصدق إن شاء الله!
السيناريست عماد النشار يكتب: «السميعة… حُرّاس التلاوة وشهود المقام»
السيناريست عماد النشار يكتب: حين تُدافع الكلمة عن الحق: الزميلتان الكبيرتان في ساحة القضاء
السيناريست عماد النشار يكتب : استفيلوا يرحمكم الله
السيناريست عماد النشار يكتب: لا جوازة ولا جنازة!
السيناريست عماد النشار يكتب: ”شَرف” صُنع الله إبراهيم... و”لجنته” و”ذاته”
السيناريست عماد النشار يكتب: من هنا مرّ الفن… ثم ضلّ الطريق
السيناريست عماد النشار يكتب: من عاطف الأشموني إلى كارولين وليزا وسيتي… حين تُسرق الموهبة ويُتوّج بها الأثرياءُ
السيناريست عماد النشار يكتب: نُصُب ”الإنسان” المجهول
السيناريست عماد النشار يكتب: الهجرة النبوية الشريفة بين نور الرسالة وظلمة الواقع
السيناريست عماد النشار يكتب: الأورام والرحمة.. حين يكون الشفاء من القلب قبل الطب
السيناريست عماد النشار يكتب: عايزه يورانيوم يا إبراهيم…!
وهنا يظهر الفارق الأهم، الإنسان نفسه، في الجيوش النظامية، مهما بلغ التدريب، يبقى الجندي جزءاً من مؤسسة وظيفية، تحكمه الأوامر وحسابات الخسارة والنجاة، أما في غزة، فالمقاتل يتحرك بدافع مختلف، يرى المواجهة جزءاً من معركة وجود، لا مهمة تنتهي بانسحاب أو فشل، هدفه ودافعه الأول هو نيل إحدى الحسنيين ، النصر أو الشهادة ، هذا الاختلاف في الدافع يجعل الحسابات العسكرية المعتادة غير صالحة، ويحوّل أي محاولة اقتحام أو اختطاف إلى مغامرة عالية الكلفة،إضافة إلى ذلك، هناك فرق حاسم بين إسقاط دولة ومواجهة مقاومة، الدولة كيان يمكن ضرب رأسه، فإذا سقطت القيادة اهتز النظام كله، وهذا مايعرف باستراتيجية الفوضى الخلاقة، الذي أطلقته وزيرة الخارجية الأمريكية كونداليزا رايس عقب أحداث الحادي عشر من سبتمبر ، وهي استراتيجية لإحداث تغيير جذري عبر إثارة الاضطرابات والفوضى لدفعها نحو تغييرات سياسية تخدم أهدافًا محددة.
بدأت بالثورة البرتقالية في اوكرانيا كبروڤة، أعقبها مايسمى بالربيع العربي، واخيرًا بنجلادش وسوريا وفنزويلا ، وفي الطريق إيران وكولومبيا والمكسيك وربما الدنمارك من أجل جرين لاند التي يطمع ترامب في ملكيتها … والباقية تأتي.
أما بالنسبة لخطف رؤس الأنظمة واعتقالهم ، فقد نجحت امريكا في خطف واعتقال خمسة رؤساء منذ خمسينات القرن الماضي وهم على الترتيب… جاكوب أربينس، جواتيمالا 1954،خوان خوسيه توريس، بوليفيا، 1976،مانويل نورييجا بنما1989،صدام حسين العراق 2003،نيكولاس مادورو ،فنزويلا، 2026، بينما فشلت على مدار أكثر من نصف قرن من التخلص أو اغتيال أو خطف الرئيس الكوبي فيدل كاسترو الذي نجى من 638 محاولة اغتيال ثم مات على سريره عندما حان أجله.
أما المقاومة،فهي حالة ممتدة، لا تتوقف على شخص ولا تنهار بغيابه، فاستهداف القادة لا ينهي الصراع، بل غالباً ما يعيد إنتاجه بأشكال جديدة،لهذا لا يكمن التناقض في قوة الولايات المتحدة أو ضعفها، بل في طبيعة الخصم الذي تواجهه،القوة العسكرية الحديثة بارعة في فرض إرادتها على أنظمة مكشوفة، لكنها تفقد الكثير من فعاليتها أمام مجتمعات محصّنة بالأرض، والعقيدة، والتنظيم غير التقليدي.
من هنا، يمكن فهم لماذا تتحقق إنجازات سريعة في أماكن، بينما تتحول أماكن أخرى إلى ساحات استنزاف طويلة، مثل فيتنام مع أمريكا في العصر الحديث،وأفغانستان مع الاتحاد السوفيتي ثم امريكا وصولًا إلى مسك الختام غزة،التي فضحت الغطرسة والقانون الدولي معًا،فليست المسألة هنا حجماً أو عدداً، بل طبيعة الصراع نفسه، وحين تجتمع الأرض مع الإنسان والعقيدة، تصبح المعركة أكبر من السلاح، وأعقد من أن تُحسم بالقوة وحدها.











