زينب البديوي تكتب: د . ياسر شحاتة.. بين فرشاة الفنان وجرأة المفكر
هو فنانٌ أعاد فتح أبواب التاريخ بالفن والفكر والبحث
بين اللوحة والكتاب، وبين الحس الفني والسؤال التاريخي، تتشكل تجربة د. ياسر شحاتة، الفنان التشكيلي والكاتب والمفكر المصري، الذي اختار أن يجعل من المعرفة وسيلة لإعادة النظر في كثير من المسلمات، ومن البحث في المصادر والوثائق مدخلًا لقراءة أكثر اتساعًا للماضي.
ليست تجربة د. ياسر شحاتة محصورة في مجال إبداعي واحد؛ فهو فنان تشكيلي وكاتب ومفكر، ارتبط كذلك بالعمل الإداري والثقافي في أكاديمية القاهرة للفنون، فيما تمتد خلفيته الأكاديمية إلى جامعة برلين.
هذا التنوع في التكوين انعكس على مشروعه، فأصبح الفن بالنسبة إليه مساحة للتأمل، والكتابة وسيلة لطرح الأسئلة، والبحث حيث إختاره طريقًا لاختبار الروايات التي استقربها طويلًا في الوعي العام.
اقرأ أيضاً
زينب البديوي تكتب من تونس: الإهمال الطبي وقلة الإمكانيات.. معاناة متواصلة في المستشفيات التونسية
زينب البديوي تكتب: ارتفاع معدل الجرائم ضد الأطفال في تونس.. الحقيقة المؤلمة والسبل الممكنة للحد من الظاهرة
زينب البديوي تكتب.. النساء ولعنة الغربة والوحدة
زينب البديوي تكتب: تونسية أول مرأة عربية رئيسة حكومة
زينب البديوي تكتب من تونس: الاغتصاب الجنسي ظاهرة عربية
زينب البديوي تكتب : جرائم قتل متسلسلة في تونس
زينب البديوي تكتب: وفاة عجوز 98 سنة بعد إغتصابها
زينب البديوي تكتب من تونس: إطلاق سراح قاتل ابنته باسم الدين
زينب البديوي تكتب: الشذوذ الجنسي يدخل البيوت يوميا
زينب البديوي تكتب..يحدث الآن : أخاها اغتصبها وأنجبت منه وهي قاصر
زينب البديوي تكتب : جرائم قتل نساء بدعوى الشرف
زينب البديوي تكتب:احذري الرجل المنحرف نرجسيا ..هذه علاماته
من الفن إلى سؤال التاريخ :
في قلب مشروع شحاتة يقف سؤال يبدو بسيطًا في صياغته، لكنه شديد التعقيد في نتائجه: هل التاريخ الذي نعرفه هو كل التاريخ؟
من هذا السؤال ينطلق إلى محاولة إعادة قراءة الأحداث والشخصيات والروايات التاريخية، مستندًا إلى البحث في المصادر والوثائق، ومؤكدًا أهمية العودة إلى المادة الأصلية بدل الاكتفاء بما تراكم من تفسيرات وقراءات عبر الزمن.
وهنا لا يقدم التاريخ بوصفه سردًا مغلقًا، وإنما باعتباره مجالًا مفتوحًا للبحث والمراجعة وإعادة النظر.
فكل وثيقة جديدة، وكل مصدر يعاد اكتشافه، يمكن أن يفتح زاوية مختلفة لفهم حدث أو شخصية أو مرحلة بأكملها.
وهذه الرؤية هي التي تمنح مشروعه خصوصية إذ لا يكتفي بإعادة سرد ما هو معروف، وإنما يسعى إلى مسألة الرواية نفسها، والبحث عما قد يكون غاب عنها أو لم يحظَ بالاهتمام الكافي.
«إعادة قراءة التاريخ».. مشروع يتجاوز الكتاب
يأتي كتابه «إعادة قراءة التاريخ» في ثلاثة أجزاء بوصفه أحد أبرز ملامح مشروعه الفكري، حيث تتحول الكتابة إلى أداة للبحث والمناقشة وطرح الأسئلة حول عدد من القضايا التاريخية.
واللافت في هذا المشروع هو محاولة الجمع بين الباحث والكاتب؛ فالمادة التاريخية لا تُطرح باعتبارها معلومات جامدة، وإنما ضمن رؤية تسعى إلى إشراك القارئ في عملية التفكير نفسها.
إنها دعوة إلى ألا يكون القارئ متلقيًا سلبيًا للرواية التاريخية، بل باحثًا عن مصادرها وخلفياتها، وقادرًا على طرح السؤال حول كيفية تشكلها، ومن كتبها، وما الذي قيل فيها، وما الذي ربما لم يُقل.
الأدب مساحة أخرى للبحث عن الإنسان
ولا تتوقف تجربة شحاتة عند الكتابة الفكرية والتاريخية، إذ تمتد إلى الرواية من خلال عملي «نوال» و**«همبرج»**.
وفي الانتقال من البحث التاريخي إلى الرواية، تبدو الكتابة عنده امتدادًا لفكرة واحدة: الا وهي
محاولة الاقتراب من الإنسان، من أفكاره وأسئلته وواقعه، عبر أشكال متعددة من التعبير.
فالفنان يرى العالم بعين مختلفة، والكاتب يعيد تشكيله بالكلمات، والمفكر يحاول تفكيك أسئلته.
ومن تداخل هذه المستويات تتكون تجربة يصعب وضعها في خانة واحدة.
بين اللوحة والوثيقة
ربما تكمن إحدى أهم خصائص تجربة د. ياسر شحاتة في ذلك التداخل بين الحس التشكيلي والعقل البحثي.
فالفن يقوم على اكتشاف التفاصيل والعلاقات الخفية بين العناصر، والبحث التاريخي بدوره يحتاج إلى عين قادرة على ملاحظة ما قد يبدو هامشيًا، وربط الشواهد ببعضها للوصول إلى صورة أكثر تركيبًا.
ومن هنا يمكن النظر إلى تجربته بوصفها محاولة للجمع بين عين الفنان ودقة الباحث وفضول الكاتب.
هذه التركيبة تمنحه مساحة خاصة في المشهد الثقافي، لأنها لا تتعامل مع التاريخ باعتباره مادة أكاديمية فحسب، ولا مع الفن باعتباره جماليات منفصلة عن الفكر، وإنما تحاول إقامة حوار بين المعرفة والإبداع.
«ثورة في قراءة التاريخ»
وصف مشروع شحاتة بأنه «ثورة في قراءة التاريخ» لا يرتبط فقط بما يطرحه من معلومات أو قراءات، بل بالطريقة التي يدعو من خلالها إلى التعامل مع التاريخ نفسه.
فالثورة الحقيقية في هذا السياق تبدأ من تغيير طريقة السؤال: بدل أن نسأل فقط «ماذا حدث؟»، يصبح من الضروري أن نسأل أيضًا: كيف عرفنا ما حدث؟ ومن أين جاءت الرواية؟ وما المصادر التي تستند إليها؟ وهل توجد وثائق أو شهادات أو قراءات أخرى؟
بهذا المعنى، تصبح إعادة قراءة التاريخ ممارسة نقدية، لا مجرد إعادة كتابة
مشروع مفتوح على الأسئلة
في زمن تتعدد فيه الروايات وتتسارع فيه المعلومات، تبدو العودة إلى المصادر أكثر أهمية من أي وقت مضى. ومن هنا تكتسب تجربة د. ياسر شحاتة دلالتها؛ فهي تضع المعرفة في حالة حركة دائمة، وترفض التعامل مع التاريخ باعتباره نصًا نهائيًا لا يحتمل المراجعة.
وبين الفن والكتاب والرواية والبحث، يواصل شحاتة بناء مشروعه الثقافي، واضعًا أمام القارئ مجموعة من الأسئلة أكثر مما يقدم له إجابات جاهزة.
وهذه ربما هي القيمة الأبرز في أي مشروع فكري حقيقي: أن يدفعنا إلى إعادة النظر فيما نظنه معلومًا، وأن يجعل البحث بدايةً لا نهاية، والسؤال مفتاحًا لفهم الماضي والحاضر معًا.
فد. ياسر شحاتة لا يكتفي بأن يروي التاريخ من زاوية أخرى؛ بل يدعو إلى إعادة النظر في الطريقة التي نقرأ بها التاريخ، وإلى استعادة حق القارئ في البحث والمقارنة والسؤال. ومن هنا تتشكل ملامح مشروعه بوصفه تجربة تجمع بين الفن والفكر والأدب والبحث الثقافي، في محاولة مستمرة لفتح نوافذ جديدة على الماضي، وربما إعادة اكتشاف الحاضر من خلاله.








