محمود حسن يكتب: أزمة جزيرة الوراق ما بين الإستقرار والإستثمار
تعد أزمة جزيرة الوراق واحدة من أكثر القضايا دلالة على طبيعة التحديات التي تواجه الدولة المصرية في مسارها التنموي ، ليس فقط من زاوية التخطيط العمراني أو جذب الاستثمار ، بل من زاوية أعمق تتعلق بعلاقة الدولة بمواطنيها ، وحدود القوة ، ومعنى العدالة ، وأولوية الإنسان في معادلة التنمية ،
فجزيرة الوراق قبل أن تكون موقعا استثماريا مميزا في قلب نهر النيل ، فهي أيضا وطن صغير لآلاف المواطنين المصريين الذين عاشوا واستقروا على أرضها لعقود طويلة ، في ظل علم الدولة وأجهزتها ووزاراتها المتعاقبة ، وبأنماط حياة تشكّلت عبر الزمن ، لا يمكن محوها بقرار إداري أو تصور استثماري مهما بلغت جدواه الاقتصادية ، ناهيك عن الأغراض السياسية التي يستهدفها المستثمر الأجنبي لاسيما في قلب العاصمة ،
فالمواطن ليس عائقا أمام التنمية ، والخطأ الجوهري في إدارة هذا الملف يتمثل في تقديم المواطن ، ولو ضمنيًا ، باعتباره عقبة يجب تجاوزها من أجل التنمية ، وهذا منطق شديد الخطورة ، لأنه يفرغ فكرة الدولة الحديثة من مضمونها ، ويحوّل التنمية من مشروع وطني جامع إلى صراع غير متكافئ بين السلطة والمجتمع ،
الدولة القوية لا تثبت قوتها في مواجهة مواطنيها ، بل في قدرتها على إقناعهم ، واحتوائهم ، وتحويلهم إلى شركاء حقيقيين في ما يخطط وينفذ ،
وفرض القانون لا يعني كسر الثقة ، فلا خلاف على حق الدولة في تنظيم أراضيها وحماية أملاكها العامة ، لكن الخلاف الحقيقي يدور حول كيفية ممارسة هذا الحق ،
فالقانون وجد ليطبق بالعدل ، لا بالصدام ، وبالحكمة، لا بالقوة ،
اقرأ أيضاً
محمود حسن يكتب: الإعلام والإعلام الموازي بين الجهل والعفوية والتخبط والغرض
محمود حسن يكتب: السياسي والطبال
صياد ينقذ فتاة حاولت الانتحار في نهر النيل بسبب أزمة نفسية
محمود حسن يكتب: المكتوب والقسمة والنصيب والقدر
محمود حسن يكتب: فلسفة الصلاة على النبي في ذكرى ميلاده
محمود حسن يكتب: وسائل التواصل إنعكاس لمذاق الواقع
وزيرة البيئة تؤكد احتواء بقعة زيتية خفيفة في نهر النيل
فعالية ثقافية بمشاركة إيطالية.. ”النيل عنده كتير” يحتفي بتاريخ ورمزية نهر النيل
إنقاذ حياة طالبة حاولت الانتحار في نهر النيل بأسيوط
محمود حسن يكتب: ” الثانوية العامة ” صنم وجب تحطيمه
مأساة غرق 4 أشخاص في نهر النيل بالمنيا، تفاصيل الحادث الأليم
محمود حسن يكتب: سر إنزعاج الملائكة
وأي معالجة تشعر المواطن بأن الدولة تتحرك ضده ، لا من أجله ، تلحق ضررا بالغا في رصيد الثقة ، وتفتح المجال أمام الشائعات ، وتمنح القوى المعادية فرصة استغلال المشهد سياسيا وإعلاميا ،
والتنمية التي تتجاهل الناس تفشل ، والاستثمار الذي لا يضع البعد الإجتماعي في صلبه ، إستثمار هش ، حتى لو بدا ناجحا على الورق ، فلا استقرار بلا رضا مجتمعي ، ولا رضا مجتمعي بلا عدالة واضحة وشفافية حقيقية ،
وكان الأجدر بهذا الملف أن يدار منذ البداية عبر عدة طرق اهمها
الحوار السياسي المجتمعي الجاد مع أهالي الجزيرة ،
و تقنين عادل للأوضاع المستقرة ،
وتعويض منصف وحقيقي ، لا شكلي ،
وكذلك والأهم هو ضمان عدم اقتلاع المواطن من جذوره ومحيطه الإجتماعي ،
فالإنحياز للمواطن ليس ضد الدولة على الإطلاق ، وليس موقفا معاديا للدولة ، بل هو في جوهره إنحياز للدولة ذاتها ،
فالدولة التي تحمي مواطنيها ، وتحترم تاريخهم ووجودهم ، هي الدولة الأقدر على فرض هيبتها دون قسر ، وتحقيق التنمية دون صدام ، وفرض هيبتها دون إقصاء ،
أما الدولة التي تدير أزماتها بمنطق الغلبة ، سوف تدفع ثمن ذلك لاحقا من رصيد استقرارها وصورتها وشرعيتها المعنوية ،
إن أزمة جزيرة الوراق ليست اختبارا لفرصة مشروع استثماري ، بل اختبار حقيقي لنموذج حكم عولت عليه الأمة آمالها ،
فإما أن نختار طريق الدولة التي تنمو بالعدالة ، أو نخاطر بتحقيق تنمية بلا روح ولا قبول ولا استدامة ،
وما بين الاستقرار والاستثمار ، يبقى الرهان الحقيقي على المواطن ، لأنه هو الدرع الحقيقي للدولة في الداخل والخارج ،
وما ذنب رجل الأمن الذي يتعرض للإهانة كل يوم ، لماذا يوضع بين فكي رحى يتمزق ما بين تنفيذ الأوامر بعدم التصدي وفقدان الكرامة والهيبة ،
وأي نعمة تجزى ، وأي إستثمار يرجى ، وأي تنمية تبنى على أطلال آدمية ،
أفيقوا يرحمكم الله .









