محمود حسن يكتب: الإعلام والإعلام الموازي بين الجهل والعفوية والتخبط والغرض
في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها المشهد الإعلامي ، لم تعد الأزمة الحقيقية كامنة في تطور الوسائل أو تنوع المنصات ، بل في كيفية توظيفها ، ومن يديرها ، ولأي غرض تستخدم ،
فقد ظهر ما يعرف بالإعلام الموازي بوصفه بديلًا حينما كسرت دائرة الثقة بين الإعلام التقليدي والمتلقي وأصبح الجهور كارها للأشكال المطروحة على الساحة الإعلامية ،
لكن الإعلام الموازي في كثير من حالاته انزلق إلى مسار بالغ الخطورة ، حين أصبح ساحة مفتوحة للجهل المستغل ، لا للرأي الحر المسؤول ،
الإعلام الموازي ، في جوهره ، ليس شرًا مطلقًا، وربما يكون توصيف لنبض المجتمع الحقيقي ، أو لمنح مساحة للتعبير ، وكسر احتكار المعلومة ،
غير أن ما نشهده اليوم هو اختطاف واضح لهذا الدور من قِبل فئات مغرضة أدركت أن غياب الوعي الإعلامي لدى بعض المتلقين هو الفرصة الذهبية للتلاعب ، وبث الشائعات ، وتوجيه الرأي العام وفق مصالح ضيقة ، لا علاقة لها بالصالح العام ،
الخطير في الأمر أن الجهل لم يعد عرضا جانبيا ، بل أصبح أداة يتم استخدامها بوعي كامل لتحقيق اهداف مغرضة ، فيتم تسويق محتوى سطحي منقوص أو مضلل على أنه جرأة أو سبق إعلامي أو " فرقعة " بينما هو في حقيقته تفريغ متعمد للمعلومة من سياقها ، وتحريض مبطن أو مباشر ، يستهدف إثارة البلبلة ، وزعزعة الثقة في شخص او جهة لإرباك المشهد العام ،
هؤلاء المغرضون لا يتحركون بعشوائية كما قد يتصور البعض ، بل وفق خطط محسوبة ، يعرفون ماذا يقولون ، ومتى يرفعون الصوت ، ومتى يصمتون ، وكيف يستغلون العفوية غير الواعية لبعض صناع المحتوى ، ويوجهونها لخدمة أهداف سياسية أو شخصية أو ربحية ، دون أدنى اعتبار لتأثير ذلك على وعي المجتمع أو استقراره ،
أما العفوية ، التي يروج لها البعض كقيمة إيجابية ، فقد تحولت في كثير من الأحيان إلى غطاء للفوضى ،
فالحديث في قضايا تمس الأمن القومي ، أو الاقتصاد ، أو السلم المجتمعي ، دون معرفة أو مسؤولية ، ليس تعبيرا عن الحرية ، بل استهتار بعقول الناس ومصالحهم ، وعدم إدراك لما يحاك لنا وما يحوم حولنا ، فحين تمتزج هذه العفوية بالجهل ويقودها غرض خفي تصبح النتائج مدمرة ،
فالتخبط الواضح في الخطاب الإعلامي الموازي والذي يظهر في صورة مواقف متناقضة ، أحكام متقلبة ، وانحيازات تتغير مع اتجاه "الترند" بلا معايير مهنية واضحة، ولا إلتزام أخلاقي ، بل سباق محموم نحو الإنتشار والتفاعل ، حتى لو كان الثمن هو الحقيقة ذاتها ، فهو سم قاتل ،
الحقيقة التي يجب أن تقال بوضوح ، أخطر ما يواجه الإعلام اليوم ليس التضييق أو المنع أو تكميم الأفواه ، بل التسيب المقنّع بحرية التعبير ، والجهل الذي يدار بذكاء من قبل مغرضين يعرفون جيدا كيف يصنعون الفوضى دون أن يظهروا في الصورة ،
من هنا ، تتعاظم أهمية دور الدولة ومؤسساتها الإعلامية الوطنية في هذه المرحلة الدقيقة، ليس فقط في نقل الخبر ، بل في حماية الوعي العام ، وترسيخ مفاهيم المسؤولية ، وفضح محاولات التلاعب بالعقول ، ولا يتسنى ذلك إلا من خلال كوادر مهنية جيدة وأدوات عالية الجودة ،
فالإعلام الوطني الواعي يظل خط الدفاع الأول عن استقرار الدولة ، في مواجهة فوضى المنصات ، واستغلال الجهل ، وتوظيف الشائعات كسلاح هدم مضمون النتائج ،
فحماية الوعي الوطني يأتي من خلال ضبط المعايير ، ودعم الإعلام المهني ، ورفع كفاءة الخطاب ، ومواجهة كل من يحاول توظيف الإعلام التقليدي او الموازي الجاهل لضرب الثقة بين المواطن ومؤسساته ، و تشويه الحقائق ، أو العبث بأمن المجتمع تحت أي مسمى ،
فمصر ، بتاريخها وتحدياتها ومكانتها ، لا تحتمل عبثا إعلاميا ولا تجارب عشوائية على وعي أبنائها ، والمعركة الحقيقية اليوم هي معركة وعي ،
ومن يكسب الوعي ، يحمي الوطن .









