سويسرا تعيد إلى مصر قناعًا جنائزيًا من العصر البطلمي عمره أكثر من ألفي عام
بعد رحلة امتدت لأكثر من ألفي عام، عاد قناع جنائزي مصري من العصر البطلمي إلى موطنه، في خطوة تحمل أبعادًا تتجاوز قيمة القطعة الأثرية نفسها.
فبينما يمثل القناع شاهدًا على جانب من الحضارة المصرية القديمة، تعكس استعادته تعاونًا دوليًا متواصلًا لمواجهة الاتجار غير المشروع بالممتلكات الثقافية وحماية التراث الإنساني.
قناع مصري من القرن الثاني قبل الميلاد يعود إلى القاهرة
أعلنت السلطات السويسرية رسميًا إعادة قناع جنائزي مصري يعود إلى القرن الثاني قبل الميلاد، بعدما جرى ضبطه في سويسرا والتحقق من أصله وأصالته من خلال خبراء متخصصين في علم المصريات.
وسلّمت المستشارة الفيدرالية السويسرية إليزابيث بوم-شنايدر القناع رسميًا إلى سفير مصر لدى سويسرا محمد يحيى محمد نجم، خلال مراسم أقيمت في دار بياتريس فون واتنفيل بالعاصمة برن، بحضور ممثل عن وزارة الآثار المصرية.
اقرأ أيضاً
كشف أثري مصري في سقارة: مقبرة «سخنتيو-بتاح» وألقاب الحاجب الملكي تكشف أسرار الدولة القديمة
وزارة الثقافة تستعد لإطلاق «بيت التراث».. أكبر أرشيف رقمي لتوثيق التراث المصري بمشاركة المواطنين
حواوشي البيتزا.. مزيج عبقري بين التراث المصري والنكهة الإيطالية
”خروجة x قصر”: مبادرة مبتكرة من طالبات إعلام MSA لاستكشاف التراث المصري
الفول المدمس.. طوق التراث المصري نحو العالمية والجودة الصحية
عملات وطوابع تذكارية تجسد عراقة المتحف المصري الكبيرأوتوبيس ”استدامة”.. خطوة مبتكرة لتمكين المرأة اقتصاديًا وإحياء التراث المصري
وزارة السياحة والآثار تكشف حقيقة فيديو مقبرة بتاح شبسس في أبو صير
صفاء أبو السعود تتفقد جناح المجلس القومي للمرأة في معرض ”ديارنا للحرف اليدوية والتراثية”
أغرب حكايات من التراث المصري والعادات المتعلقة بالعيد
نميرة نجم: لابد من حماية التراث الثقافي في القدس الشرقية من التهديدات الإسرائيلية
مِرات صاحبي الأجنبية .. اعترافات مثيرة لرجل الأعمال المتهم بتهريب الآثار
ويعود القناع إلى منتصف العصر البطلمي، وهي الفترة التي شهدت تداخلًا حضاريًا وفنيًا بين التقاليد المصرية القديمة والتأثيرات اليونانية التي ظهرت في مصر عقب العصر المقدوني.
الجمارك السويسرية أوقفت القناع في 2022
بدأت قصة استعادة القطعة الأثرية في 15 سبتمبر 2022، عندما قام ناقل بالإفصاح عن القناع أثناء مروره عبر جمارك باردونّيه في كانتون جنيف.
وبسبب وجود شبهات حول احتمال أن تكون القطعة قد خرجت من مصدر غير مشروع، أوقفت السلطات السويسرية إدخالها إلى البلاد، وطلبت من المكتب الفيدرالي للثقافة إجراء عملية فحص والتحقق من طبيعتها ومصدرها.
وبعد ذلك، عُرض القناع على خبير متخصص في علم المصريات، الذي أكد أصالته وحدد تاريخه إلى منتصف العصر البطلمي.
وتوضح هذه الخطوة أهمية إجراءات الفحص والتحقق في التعامل مع القطع الأثرية، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بممتلكات ثقافية قد تكون خضعت لعمليات نقل أو تداول خارج الأطر القانونية.
80 قطعة أثرية عادت إلى مصر منذ 2011
لا تأتي إعادة القناع بمعزل عن مسار أوسع من التعاون المصري السويسري في مجال حماية التراث الثقافي.
وبحسب الحكومة السويسرية، أعادت سويسرا إلى مصر نحو 80 قطعة ثقافية منذ دخول الاتفاق الثنائي بين البلدين بشأن استيراد ونقل وإعادة الممتلكات الثقافية حيز التنفيذ عام 2011.
ويمثل هذا الرقم جانبًا مهمًا من التعاون الممتد بين البلدين لمكافحة الاتجار غير المشروع بالقطع الأثرية، وتبادل الخبرات المتعلقة بحماية الممتلكات الثقافية.
كما تشارك سويسرا ومصر في جهود بحثية وأثرية ممتدة، إذ يواصل المعهد السويسري للأبحاث المعمارية والأثرية في القاهرة نشاطه منذ عام 1949 في دراسة العمارة والتاريخ والثقافة المصرية القديمة، إلى جانب مشاركة مؤسسات سويسرية في بعثات أثرية داخل مصر.
لماذا تمثل استعادة القناع أهمية خاصة؟
لا تقتصر أهمية استرداد القطع الأثرية على قيمتها المادية أو الفنية، وإنما ترتبط كذلك بحماية الذاكرة التاريخية للشعوب وإتاحة دراسة القطع في سياقها الحضاري الأصلي.
والقناع الجنائزي الذي عاد إلى مصر يمثل جزءًا من التراث المصري القديم، كما أن فحصه وتوثيقه يوفران فرصة للباحثين والمتخصصين لدراسة خصائص الفن الجنائزي في العصر البطلمي.
وتكتسب عملية الإعادة أهمية إضافية في ظل الجهود الدولية المتزايدة لمكافحة الاتجار غير المشروع بالممتلكات الثقافية، وهو ما تؤكده سويسرا باعتبار أن إعادة القناع تأتي في إطار تعاونها مع مصر لحماية التراث ومواجهة عمليات النقل غير القانوني للقطع الثقافية.
التعاون المصري السويسري.. التراث جسر بين الحضارات
تمثل قضية حماية التراث أحد مجالات التعاون المستقرة بين القاهرة وبرن، إذ يجمع البلدين اهتمام مشترك بالحفاظ على الممتلكات الثقافية ومواجهة الاتجار غير المشروع بها.
وتشير البيانات السويسرية إلى أن التعاون في هذا المجال يستند إلى اتفاق ثنائي، إلى جانب مشاركة البلدين في الإطار الدولي لحماية الممتلكات الثقافية، بما يعزز آليات التحقق والتعاون وتبادل المعلومات والخبرات.
وهكذا لا تبدو عودة القناع الجنائزي مجرد عملية تسليم لقطعة أثرية، وإنما حلقة جديدة في مسار طويل من التعاون الذي يربط بين بلدين يجمعهما اهتمام مشترك بحماية التراث الإنساني.
قطعة عمرها أكثر من ألفي عام تعود إلى موطنها
ومع تسليم القناع إلى الجانب المصري، تطوي القطعة صفحة من رحلة بدأت منذ العصر البطلمي، قبل أن تجد طريقها إلى خارج مصر في ظروف احتاجت إلى تحقيق وفحص للتأكد من مصدرها.
وبعد أكثر من ألفي عام، أصبح القناع مجددًا في عهدة مصر، ليضاف إلى سلسلة القطع الثقافية التي أعادتها سويسرا خلال السنوات الماضية.
وتحمل الواقعة رسالة واضحة بشأن أهمية التعاون الدولي في حماية التراث: فالحفاظ على آثار الحضارات القديمة لا يتوقف عند حدود الدول، بل يحتاج إلى منظومة مشتركة من القوانين والخبرات والرقابة والتنسيق، حتى تبقى هذه الشواهد التاريخية متاحة للأجيال القادمة.







