د.غادة محفوظ تكتب: دراما رمضان والطبقية الصارخة والمتحدة
في لحظة تاريخية فارقة تمر بها مصر، لحظة بناءٍ وتشييد، وإعادة تشكيل للوعي في عالم ينقلب رأسًا على عقب، يصبح السؤال مشروعًا:
ماذا تفعل درامانا بعقول الناس؟
لسنا ضد الفن، ولا ضد الترفيه، ولا حتى ضد البطولة الوطنية حين تُقدَّم بصدق. فقد أثبتت أعمال مثل الاختيار أن الدراما يمكن أن تكون سلاحًا للوعي، وأن تؤكد أن القوة الناعمة تسري في دماء المصريين كما يسري الانتماء. لكن البطولة حين تتحول إلى “نسخة مكررة”، والرسالة حين تُعاد بلا روح، يصبح الأمر أقرب إلى أداء مفتعل يُرهق المشاهد ويُفقد العمل مصداقيته.
اقرأ أيضاً
دبلة الخطوبة.. تقليد فرعوني ابتكره قدماء المصريين تعبيرا عن الحب
وسيم السيسي: قدماء المصريين شعب الله المختار وليس اليهود
أسرار الفراعنة.. كيف نقل المصريون القدماء أحجار الأهرامات الضخمة؟ دراسة حديثه تجيب
أسطورة ”تحوت“.. الإله الذى اخترع الكتابة و«رب الحكمة» عند قدماء المصريين
ثقافة الأقصر تناقش الموروث الشعبي وعادات الزواج وأسماء النساء عند قدماء المصريين
عبقرية قدماء المصريين فى البناء والعمارة أحدث إصدارات هيئة الكتاب
ليس مطلوبًا أن يكون كل رمضان نسخة من “الاختيار”، فالوطن لا يُختزل في زي ضابط ولا في مشهد مطاردة. الوطنية أعمق من ذلك بكثير. الوطنية أن نرى الإنسان المصري كما هو: بأزماته، بطموحه، بتناقضاته، بحلمه البسيط في وجبة فطار وسحور كريمة.
حين يفقد البطل ملامحه الحقيقية، وتتحول الصورة إلى استعراض سيارات فارهة وكمبوندات مغلقة، بينما غالبية الناس تبحث عن الأمان الاقتصادي، يصبح هناك انفصال خطير بين الشاشة والشارع. هنا لا نتحدث عن فقر الإنتاج، بل عن فقر الرؤية.
الفن ليس “تكرارًا آمنًا” لصيغة نجحت، بل مغامرة وعي.
والدراما إذا لم تُجسِّد القضايا المجتمعية بصدق، وتضع أثرًا حقيقيًا في الناس، وتُصحح الصور المغلوطة، فإنها تفقد معناها وتتحول إلى ضجيج موسمي.
أما الإعلانات الاستفزازية التي تُغرق المشاهد في فجوة طبقية صارخة، فهي ليست مجرد فواصل تجارية، بل رسائل نفسية عميقة التأثير. حين يرى المواطن بذخًا مبالغًا فيه في توقيت اقتصادي حساس، فإن الرسالة غير المقصودة قد تكون أقسى من أي مشهد درامي.
رسالتي إلى الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية:
رفقًا بعقول المشاهدين.
الناس لم تعد تكتفي بالصوت العالي ولا بالصورة اللامعة. الناس تبحث عن معنى.
إعادة الهيكلة ليست ترفًا، بل ضرورة.
ضرورة أن نعيد ترتيب الأولويات، وأن نمنح المساحة لنصوص حقيقية، لكُتّاب يلامسون الشارع، لمخرجين يؤمنون بأن الفن مسؤولية لا سبوبة موسمية.
مصر اليوم لا تحتاج “دراما اصطناعية”، بل تحتاج وعيًا حيًا.
فالجهل الاصطناعي أخطر من الجهل البسيط… لأنه يُلبس الرداءة ثوب الوطنية، ويُقدِّم التكرار باعتباره إنجازًا.
والأوطان لا تُبنى بالنسخ…
بل تُبنى بالصدق
دكتورة غادة محفوظ
كاتبة وخبيرة التنمية الاجتماعية







