الحسين عبدالرازق يكتب: الدولة أولًا.. رسالة السيد الرئيس!
كلمة فخامة الرئيس خلال حفل تخرج الدورة السادسة للجهات والهيئات القضائية من الأكاديمية العسكرية المصرية، وضعت قضية الدولة في مكانها الصحيح، باعتبارها مسؤولية مشتركة، لا ترتبط بشخص أو حكومة، وإنما بمستقبل وطن كبير اسمه مصر.
كان الرئيس واضحًا، «كما عهدناه» حين اكد أن الحفاظ على الدولة المصرية ليس مسؤولية الرئيس وحده، ولا الحكومة وحدها، وإنما مسؤولية الجميع، لأن الدولة في النهاية ملك لمواطنيها، واستقرارها وأمنها ومؤسساتها هي الضمان الحقيقي لمستقبل أبنائها.
كلمات خرجت من القلب، ووصلت إلى عقول المصريين قبل قلوبهم.
لم يكتفِ سيادته بالحديث عن مواجهة التحديات، وإنما توقف عند قضية أكثر عمقًا، وهي كيفية بناء المؤسسات على أسس من الكفاءة والموضوعية، بعيدًا عن المحاباة أو المجاملة.
وفي هذا السياق، لابد لنا أن نشيد بدور الأكاديمية العسكرية المصرية في إعداد وتأهيل الشباب المرشحين للعمل في مؤسسات الدولة، وذلك وفق معايير موحدة وتفصيلية تتناسب مع طبيعة كل مؤسسة، بما يضمن اختيار العناصر الأكثر تأهيلًا وقدرة على تحمل المسؤولية.
وهنا لابد لنا من وقفة..
إصلاح مؤسسات الدولة لا يتحقق بقرارات سريعة أو شعارات رنانة، وإنما يحتاج إلى منظومة متكاملة تبدأ من حسن الاختيار، ثم التدريب والتأهيل، ثم المتابعة والتقييم، وهو ما أشار إليه الرئيس بوضوح خلال حديثه عن أهمية استمرار هذه المنظومة والحفاظ على المعايير التي وضعتها الدولة.
ولم تكن الرسالة بشأن بناء الإنسان، منفصلة عن حديث سيادته عن الدولة، فالإنسان الواعي والمؤهل والقادر على تحمل المسؤولية هو في النهاية أحد أهم عناصر قوة الدولة.
ومن هنا جاءت دعوته إلى الاهتمام بالشباب، وتحصينهم بالعلم والمعرفة والوعي، مع التحذير من أشكال الاستعلاء المختلفة، سواء بسبب منصب أو وظيفة أو حتى الشعور بالاستقامة أو التدين.
الرسالة الأهم في كلمة الرئيس اليوم، من وجهة نظري على الأقل، أن مصر لا تملك رفاهية العبث بمقدراتها، ولا تحتمل أن تكون الدولة ومؤسساتها محل تجارب أو صراعات عابرة.
مرت بلدنا خلال السنوات الماضية بتحديات كبيرة، وتجاوزت أزمات كان يمكن أن تدفع دولًا أخرى إلى مصائر شديدة الصعوبة، ولذلك فإن الحفاظ على ما تحقق، والعمل على تطويره، مسؤولية لا ينبغي أن يتعامل معها أحد باعتبارها شأنًا يخص غيره.
وقد لخّص الرئيس هذه الفكرة بوضوح، مؤكدًا أن الجميع راحلون، بينما تبقى الدولة.
لم تكن العبارة عابرة، وإنما هي قاعدة أساسية في فهم معنى الدولة، فالأشخاص يتغيرون، والمناصب تتبدل، والحكومات تأتي وتذهب، لكن الوطن هو الثابت الذي يجب أن يحافظ الجميع عليه.
ولذلك فإن الاختلاف في الرؤى أمر طبيعي، والنقد البناء «والمهذب» لا يتعارض مع الحفاظ على الدولة، لكن الخط الفاصل يجب أن يظل واضحًا بين الاختلاف الذي يدفع إلى الإصلاح، وبين أي ممارسات يمكن أن تهدد استقرار المؤسسات، أو تضع مستقبل الوطن في مهب الريح.
كلمة الرئيس اليوم كانت في جوهرها دعوة إلى الوعي، وإلى تحمل المسؤولية، وإلى بناء دولة قوية بمؤسسات أكثر كفاءة، وشباب أكثر وعيًا، ومعايير أكثر موضوعية، وهذه هي المسؤولية.
حفظ الله مصر.







