الحسين عبدالرازق يكتب: إذاعة القرآن الكريم
إثنان وستون عاماً على انطلاق إذاعة القرآن الكريم، ذلك الصرح الإعلامي الفريد الذي لم يعد محطة إذاعية، بل ظل لعقود طويلة مدرسة روحانية وثقافية صنعت وجدان أجيال متعاقبة في مصر والعالم الإسلامي.
سنة 1964 كان انطلاق الإذاعة، وكانت استجابة لحاجة مجتمعية وثقافية ملحّة، في مقدمتها حماية التلاوة الصحيحة للقرآن الكريم من التحريف والانتشار غير المنضبط للقراءات غير المتقنة. كانت الرسالة واضحة: حفظ كتاب الله صوتًا ومعنى، ونشر علومه وقيمه في كل بيت مصري وعربي وإسلامي. ومنذ انطلاقها، امتد بث الإذاعة ليعبر حدود مصر إلى العالم الإسلامي، لتصبح واحدة من أكثر الإذاعات الدينية استماعًا وانتشارًا عبر الأثير.
مع اللحظة الأولى لانطلاقها، أدرك القائمون عليها أنهم يؤسسون هوية سمعية وروحية ستصبح جزءًا من تفاصيل الحياة اليومية لعموم المصريين، وتضم كبار المقرئين. على موجاتها تعرّف المستمعون على أعظم قرّاء مصر، فكانت منصة خالدة حفظت تراث التلاوة المصرية في عصرها الذهبي، وقدمت نماذج خالدة لا تزال حاضرة رغم الغياب.
لم تكن التلاوة وحدها، بل أتى ملازمًا لها برامج التفسير والفقه والسيرة، ومواد برامجية صنعت وعيًا دينيًا مستنيرًا قوامه الاعتدال والوسطية. لقد لعبت الإذاعة دورًا محوريًا في نشر الفكر ومواجهة الغلو والتطرف بخطاب ديني هادف، هادئ ورصين يخاطب العقل والقلب، وبقيت على مدار العقود مصدرًا موثوقًا يستمد منه الملايين فهمهم للدين.
لا يخلو بيت مصري من ذكريات مع إذاعة القرآن الكريم... صوت الفجر الذي يوقظ القلوب قبل الأجساد؛ الشيخ أحمد فرحات يؤم المصلين في فجر رمضان، "وقد عاصرت فضيلته وصليت خلفه كثيرًا في مسجد الإمام الحسين"، الشيخ إبراهيم جلهوم من مسجد ستنا السيدة زينب، والشيخ رفعت، والشيخ الحصري، والشيخ عبدالباسط، وعمنا الشيخ مصطفى، وغيرهم كثيرون رحمهم الله أجمعين.
لقد أصبحت الإذاعة رفيقًا يوميًا وجزءًا من الذاكرة الجماعية للمجتمع. ورغم تغير الوسائط وتعدد المنصات، ما زالت إذاعتنا الأثيرة حاضرة بقوة، تواكب التطور الرقمي وتجتذب مستمعين جدد عبر الإنترنت والتطبيقات، لتثبت للجميع أن رسالتها لا يحدها زمن ولا تعوقها وسيلة.
إذاعة القرآن الكريم من القاهرة… صوتٌ لم ينقطع منذ ستة عقود، وسيبقى بإذن ربنا موجود.
حفظ الله بلدنا.








