ابتهال عبد الوهاب تكتب: صليب من السكر و كراهية من حديد
لم يطلب الرجل امتيازاً خاصاً، ولم يسعَ إلى فرض معتقده على أحد. كل ما أراده هو أن يضع رمزاً دينياً يخصّه على قطعة حلوى يحتفل بها مع أسرته، ولم يدعُ إلى مواجهة أو صراع.
كان يمارس حقاً إنسانياً بسيطاً: أن يعبّر عن هويته كما يشاء.
لكن المفاجأة لم تقتصر على رفض الطلب فحسب، بل كانت في الدلالة العميقة الكامنة وراء هذا الرفض.
اقرأ أيضاً
ابتهال عبد الوهاب تكتب: حين تنتصر الخرافة على العقل.. تاملات في الوعي الجمعي
ابتهال عبد الوهاب تكتب: قبل أن نتهم الأبناء.. محاكمة الضمير الأبوي
استمتع بصناعة كيك التورتة الإسفنجي في 5 دقائق فقط.. كل الأسرار والمكونات
ابتهال عبد الوهاب تكتب: الدراما والتفكير الجمعي
أكلة خفيفة.. طريقة عمل كيكة التورتة بالخل والنشا من «أنا حوا»
ابتهال عبد الوهاب تكتب: لو تحدثت الفلسفة
بعد أزمة التورتة.. جنا عمرو دياب تثير الجدل مجددا بصور جريئة
طبيبة تكشف مفاجأة غير متوقعة عن أزمة شيرين عبد الوهاب
«بمذاق شهي».. طريقة عمل تورتة المانجو من «أنا حوا»
أعياد ميلاد نجوم هوليوود.. أنجلينا جولى تضع وجه سلمى حايك فى التورتة.. شاهد
تحرك عاجل من جامعة القاهرة تجاه أساتذة"التورتة الجنسية"
قرار عاجل ضد عضوات نادي الجزيرة المشاركات في واقعة "التورتة الجنسية"
فما هذا المجتمع الذي يخاف من رمز مرسوم على قالب حلوى؟
إن المشكلة ليست في التورتة، ولا في الصليب، ولا في قطعة السكر التي ستشكّل الرمز، وإنما تكمن في العقلية التي ترى في وجود الآخر تهديداً، وفي التعبير عن هويته استفزازاً، وفي أبسط مظاهر الاختلاف خطراً يجب منعه.
إن المجتمع الذي يضيق برمز صغير مرسوم بالسكر ليس مجتمعا يخاف من الرمز نفسه، بل من المعنى الذي يحمله الرمز.
فهو يخاف من الاعتراف بأن هذا الوطن يتسع لغير صورة واحدة، ولغير صوت واحد، ولغير معتقد واحد.
حين يرفض إنسان تقديم خدمة مشروعة لمواطن آخر لمجرد أن طلبه يحمل رمزاً دينياً مختلفاً، فإننا لا نكون أمام موقف شخصي عابر، بل أمام صورة مصغّرة لمرض اجتماعي أعمق؛ مرض مبني على فرضية أن بعض الناس يملكون حق الظهور الكامل في الفضاء العام، بينما يُطلب من آخرين إخفاء هوياتهم وأن يعيشوا مواطنتهم في الظل.
ما أبشع أن يتحول رمز ديني بالنسبة لملايين البشر إلى سبب للرفض والإقصاء. وما أخطر أن يعتاد المجتمع على مثل هذه الممارسات حتى تصبح أمراً عادياً لا يثير الاستنكار.
إن الحرية الدينية ليست مجرد احترام لما يشبهنا وحدنا، بل هي قبول بحق الآخرين في التعبير عن ذواتهم تماماً كما نقبل بحقنا في التعبير عن ذواتنا.
أما الانتقائية في احترام الحريات فليست حرية حقيقية، وإنما هي مجرد امتياز مموّه بلغة الأخلاق.
لو كان الرفض موجهاً ضد رمز يمثل الأغلبية لقامت الدنيا ولم تقعد. لكن معيار العدالة الحقيقي لا يُقاس بطريقة تعاملنا مع من يشبهوننا، بل بكيفية تعاملنا مع من يختلفون عنا.
إن المجتمعات المتحضرة لا تخشى الصليب، ولا الهلال، ولا أي رمز ديني أو ثقافي. ما يُرعبها فعلاً هو الكراهية والتمييز والإقصاء.
أما المجتمعات التي تخشى الرموز أكثر مما تخشى الظلم، فهي مجتمعات لا تزال تخوض معركتها الأولى لفهم معنى المواطنة.
السؤال الحقيقي ليس لماذا أراد الرجل صليباً على تورتته، بل لماذا أزعج وجوده البعض؟ فحين يصبح رسم الصليب مشكلة، بينما لا تُعتبر الكراهية مشكلة، نكون قد دخلنا إلى دائرة من الخلل الأخلاقي العميق الذي يحتاج إلى مراجعة جريئة.
إن كرامة الإنسان لا تتجزأ، وحرية المعتقد لا تعترف بالاستثناءات. والحق الذي أطالب به لنفسي يجب أن أقبله لغيري أيضاً، وإلا تحوّل حديثنا عن التسامح إلى مجرد شعار جميل يخفي تحته وجهاً آخر من وجوه التمييز.
أي مفارقة مؤسفة هذه؟ مجتمعات تتغاضى عن الفساد لعقود طويلة، وتتسامح مع الكذب بشكل يومي، وتقبل بإيحاءات التعصب والعنف والتحريض، لكنها ترتعد أمام وجود رمز ديني مرسوم على قالب حلوى!
والمؤسف أن البعض ما زالوا يعتقدون أن إقصاء الآخر هو دفاع عن الدين، بينما الحقيقة هي أن الدين لا يحتاج إلى الكراهية ليبقى، ولا إلى التمييز لينتصر. وحده الخوف يحتاج إلى الكراهية، ووحده الضعف يحتاج إلى الإقصاء. أما الإيمان الواثق بنفسه فلا يخشى صليباً مرسوماً على قطعة حلوى.
ويا للأسف كم من الأوطان التي تتغنّى بالتسامح في خطبها وشعاراتها، لكنها تضيق بأبسط تجليات هذا التسامح على أرض الواقع.
إن الصليب في هذه الحكاية ليس مجرد علامة دينية فحسب، بل هو اختبار أخلاقي. اختبار يكشف مدى قدرتنا على قبول التنوع والاختلاف، ومدى استعدادنا للاعتراف بأن الإنسان بتعدديته وهويته يستحق.






