ابتهال عبد الوهاب تكتب: حين تنتصر الخرافة على العقل.. تاملات في الوعي الجمعي
لم اكن اتصور في زمن تتكدس فيه المعارف بضغطة زر، ان افاجا بهذا السيل الجارف من الخرافة، يزحف على العقول كما لو اننا لم نغادر عصور الظلام .
دهشتي ليست من وجود الخرافة ذاتها، فهي رفيقة الانسان منذ فجر التاريخ، بل من اتساع رقعتها، ومن هذا الانقياد الجماعي المذهل وراء اوهام تلبس ثوب العلم، وتسوق كانها خلاص سحري من الام الواقع.
كاننا، رغم كل ما انجزه العقل البشري، ما زلنا نقف عند عتبة الوهم، نطرق ابوابه بلهفة، ونلوذ به كلما ضاقت بنا سبل الفهم.
كيف لي بعد هذه الدهشة ان افسر هذا الانقياد الجماعي وراء اوهام تتهاوى امام ابسط اختبار للعقل؟ كيف لعقول عاشت في زمن المعرفة المفتوحة ان تستبدل يقين العلم بطمأنينة الوهم؟
اقرأ أيضاً
انهيار زوجة د. ضياء العوضي أثناء تشييع جنازته.. صور
د. محمد المهدي يكتب: ظاهرة العوضي والعلم الزائف
وثيقة منسوبة لشرطة دبي تكشف تفاصيل جديدة عن وفاة الدكتور ضياء العوضي
بعد وفاة د.ضياء العوضي.. عضو بنقابة الأطباء يفجر مفاجأة بشأن تفاصيل التحقيقات
”انا حوا” ينشر آخر كلمات ضياء العوضي قبل وفاته.. الموت ليس مرتبطًا بالمرض
أسرة عبد الحليم حافظ تقاضي ضياء العوضي: تفاصيل القضية المثيرة للجدل
ابتهال عبد الوهاب تكتب: قبل أن نتهم الأبناء.. محاكمة الضمير الأبوي
ابتهال عبد الوهاب تكتب: الدراما والتفكير الجمعي
ابتهال عبد الوهاب تكتب: لو تحدثت الفلسفة
ان الخرافة ليست مجرد فكرة عابرة او اعتقاد بسيط، بل هي بنية ذهنية قادرة على تشكيل الوعي، وتوجيه السلوك، واعادة انتاج الجهل في صور متجددة.
والخطورة الحقيقية لا تكمن في جهل العوام فحسب، بل في انخراط بعض من يفترض انهم حراس المعرفة في ترويج هذا الزيف، فيختلط الحق بالباطل، ويضيع معيار التمييز بين العلم والوهم.
في المجتمع المصري، يبدو المشهد اكثر تعقيدا، اذ تتداخل الموروثات الشعبية مع الازمات الاجتماعية والاقتصادية، فيصبح الانسان اكثر قابلية للتعلق باي تفسير يخفف عنه قلقه، ولو كان زائفا.
ومع غياب التفكير النقدي وضعف الثقة في المؤسسات العلمية، تتحول الخرافة الى بديل سهل، لا يتطلب جهدا ولا مساءلة، بل يمنح شعورا زائفا بالسيطرة والفهم.
ان ما يسمى بظاهرة ضياء العوضي ليست حادثة عابرة في تاريخ الوعي المصري، بل علامة فارقة على هشاشة البنية المعرفية حين تترك نهبا للوهم.
لم يكن الرجل مجرد فرد يروج لوصفات زائفة، بل كان تجسيدا حيا لكيف يمكن للخرافة ان ترتدي قناع العلم، وان تتسلل الى العقول من اوسع ابوابها: باب الحاجة والخوف والالم.
كيف يمكن لخطاب فارغ، محمل بنبرة يقين زائفة، ان يخلق حوله هالة من التصديق الجماعي؟
ونحن هنا في ظاهرة العوضي لا نتعامل فقط مع خطاب زائف، بل مع سلطة معرفية مستعارة من لقب "الطبيب"، وهو ما يمنح الوهم شرعية مضاعفة.
فحين يتكلم غير المختص، يظل كلامه في دائرة الهامش، اما حين يتحدث من يفترض فيه العلم، فان الكارثة تتضاعف، لان الثقة تتحول الى اداة تضليل، والعلم الى غطاء للدجل.
ومن منظور فلسفي، يمكن القول ان هذه الظواهر تكشف عن ازمة اعمق: ازمة الانسان حين يفقد قدرته على التمييز بين المعرفة والاعتقاد، بين الدليل والانطباع، بين الحقيقة وما يراد له ان يبدو كذلك. انها لحظة ينكفئ فيها العقل، لا لانه عاجز، بل لانه مثقل بالخوف والرغبة في الخلاص السريع.
والمفارقة المؤلمة ان هذا الانتشار لهذه الظاهرة لا يحدث في الخفاء، بل في العلن، وعلى منصات يفترض انها فضاءات للمعرفة.
يروج للوهم بوصفه "حقيقة مخفية"، وتقدم السذاجة على انها "شجاعة في مواجهة السائد"، فيعاد انتاج الجهل تحت لافتة التمرد. وهنا تتجلى الازمة في اقسى صورها: حين يصبح رفض العلم فضيلة، وينظر الى التفكير النقدي باعتباره ترفا او تعقيدا غير ضروري.
لقد ظننا، ربما بسذاجة، ان زمن قنديل ام هاشم قد انقضى، وان ذلك الصراع بين نور العلم وظلمة الخرافة قد حسم لصالح العقل. لكن الواقع يكشف ان القنديل ما زال مشتعلا، لا بوصفه رمزا للايمان البسيط، بل كدلالة على عناد الوهم، وقدرته على البقاء والتجدد، مهما تقدمت العصور.
ان مواجهة الخرافة لا تكون بالسخرية ولا بالتجاهل، بل ببناء وعي حقيقي، يعيد الاعتبار للعقل، ويرسخ قيمة السؤال، ويعلم الانسان ان الشك بداية المعرفة لا نهايتها.
نحن لا نحتاج الى مزيد من المعلومات فحسب، بل الى شجاعة التفكير، والى مجتمع يحترم العلم لا لانه سلطة، بل لانه الطريق الوحيد للخلاص من هذا التيه.
فإما ان نختار ان نكون ابناء عصرنا، او نظل اسرى قناديل لا تنطفئ، لانها تعيش في داخلنا قبل ان تضاء في الخارج.
فليحيا العلم قنديلا للوعي لا وهما، يبدد عتمة الخرافة ويمنح العقل شجاعة الابصار.








