سارة عبد العزيز تكتب: بيت الكاميليا
آهٍ من الذكريات التي تؤلمني... لم يعد هناك أي سبيل للبهجة.
عندما نتأمل ما حولنا سنرى ألوانهم منطبعة في المكان، وعندما نهرب داخل ذواتنا سنجدهم في الذاكرة...
مقال سارة عبد العزيز
الفرحة بالنسيم الخريفي في بيت جدتي القديم، الغرف المتسعة للجميع، حتى الموتى منا بصحواتهم المبكرة، ونحن نستمع لنشيج الصنبور الدافق بعد حمام الصباح الشبحي الرقيق...
اقرأ أيضاً
التصاق أمي بخالتي في الغرفة البعيدة، تناجيها عن زيارات جدي، والإنصات القوي لصوت أرجل الكراسي الخشبية حين كان يعيد ترتيبها كما اعتاد في حياته...
أباهما المتوفى كل ليلة، وظل نور المصباح القديم يرتجف على الحائط الحجري من وقع انتظارهما لزيارات روحه...
عطر خالتي، وفرحاتهن، وأحلامهن، وضحكات طفولتهن التي كان يردد صداها حجر جدار البيت...
الخزانة الصدفية الداكنة، وكأنها حملت أسرار البيت في رحمها، تؤنسها الملابس القديمة برائحتها الشجية.
كانت دغدغة الحديث تبدو رطبة وهادئة بين خالتيّ الأخريين في آخر الليل؛ تحدثها الأولى عن عشقها الأول والأخير، وكان العشق واحدًا...
وجدتي الوحيدة في الشرفة، تنظر للمقعد الخالي أمامها، حيث اعتاد جدي أن يجلس قبل رحيله، لكنه كان يداهمها برائحة الكاميليا التي تعشقها.
بينما وجوه الملائكة الهابطة من الجنة محفورة على الحائط الحجري، وكأنهم يغنون أغنية للبيت...
وجوار الشرفة، وفي مقدمة البناية، نقش تمثال لأسد، جسده نافر ووجهه صامد شجاع، وكأنه يلقي التحية على الداخل والخارج من البيت...
ليستقر بجواره المدخل: باب كبير جدًا من الحديد، نقشت عليه زهور لوتس أتت من النيل، تتسلل خيوط الشمس من خلاله كطقوس الجنة والحب معًا...
كان باب البيت، الذي من المؤكد أنه بيع بعد الهدم في سوق المستعمل بأبخس الأثمان، حتى لو ارتفع ثمنه؛ لكن الرخص الحقيقي كان في قتله بيد البلدوزر الغاشم.
وتهدمت معه ذكرياتي وجزء من روحي...
الآن، وبعد تلك السنوات، كأني أعبر إلى زمن ووعي آخر يسوده القبح... أمر بمكان البيت الذي أصبح ماضيًا بعيدًا، بعد أن فقد معناه ومكنونه.
كان ادعاؤهم "القتل الرحيم" لمن شارف على الموت، وكأنهم يرحمون من آلمه، لكن بيت جدتي لم يكن يئن أو يتألم... كان يغني.
كانت بالنسبة لكم صوت آلام مرض، لأنكم لم تعتادوا الإنصات أو سماع الألحان الشجية...
كانت آهاته ليست آهات ألم، بل شجن، مثل آهات أم كلثوم في نوبة عشق...
أنتم جعلتم من شدوه آهات ألم ورحيل، لأنكم أغبياء الحس والمشاعر.
الآن أعبر خلال الشارع، بعد أن هربت كل تلك السنوات من ذلك المشهد الحزين، لأرى مكانه بناية أسمنتية قبيحة، غير واضحة الملامح.
وبدلًا من شرفة جدتي التي كانت تتألق بها زهرات الكاميليا، متوجة بين زهرات الفل والياسمين والريحان، وتحتفي بها النقوش الصامدة على سورها الحجري المطعم بالحياة...
كان الحجر ينبض بنبض ساكنيه، وتبدو شروخ الزمن على جداره عروقًا وشرايين تجري فيها دماؤهم...
أستطيع سماع زئير ذلك الأسد بوضوح، يبكي الملائكة والبيت والكاميليا...
لأنه أوشك على الموت، لكنه كان قتلًا قاسيًا ووحشيًا، في نوبة هائجة من قتل المدينة وبيوتها القديمة دون أدنى رحمة.
في لحظة قتل بيت جدتي القديم، كان البيت ينزف دماء ساكنيه...
بعد ادعائهم بوجوب قتله، الذي أطلقوا عليه "القتل الرحيم"، ورغم مكابرته وعناده، لكنه في النهاية صُرع معها ومع الكاميليا وسط آهات الرحيل...
أستطيع سماع زئير ذلك الأسد بوضوح، باكيًا الملائكة والبيت والكاميليا...
كأن كل هذا أصبح حلمًا قديمًا من عالم وزمن آخر، لم يتبق منه شيء، حتى الأطلال لم تعد هناك.
ليحل مكانه بناء معلب أشبه بالمسخ يماثل هذا الزمن، له فتحات ضيقة كأنها شرفات من الألومنيوم المطعم بالبلاستيك القاتل، إهداءً للسرطان والمرض...
والتي تستطيع أن تشم من خلالها، بدلًا من رائحة الكاميليا العذبة المختلطة برائحة الحجر الحي، رائحة البنكنوت التي دفعت لصاحب البلدوزر ومقاول الهدم قبل الهدم، تختلط برائحة الموت في تملق زائف...
أما جدتي الحبيبة، فتوفيت بعد مغادرتها بيت عمرها بسنوات قليلة بائسة، بعد أن انسحبت روحها مع تلك الحجارة المذبوحة...
ربما هي وجدي الآن، وبعد الرحيل، التقيا في نفس البيت، ونفس الشرفة القديمة هناك...
بينما جمعهما فلك مناجاة العشاق، لتشدو لهما أم كلثوم أغنية الأطلال، في مشهد أبدي خالد.
ملاحظات عن النص
كتبته الكاتبة في فترة مبكرة جدًا من عمرها خلال فترة التسعينيات، وكان امتدادًا لفيلم قامت بتصويره وهي في السابعة عشرة من عمرها عن هدم بيت جدتها.
تم توثيق حقوق الملكية عام 2003، ونُشر للمرة الأولى عبر موقع خارج مصر.



الكاتبة والمخرجة سارة عبد العزيز تكتب: قماش الخريف الوردي
الكاتبة والمخرجة سارة عبد العزيز تكتب: روح السيدة الكومبارس
بتروجت يضم سارة عبد العزيز من الأهلي لتدعيم تنس الطاولة






