الكاتبة والمخرجة سارة عبد العزيز تكتب: قماش الخريف الوردي
أمطار خريفية متواصلة، غرقت الأرض لينعم سكان الحي بنسيم محمل ببخار الماء الرطب، مودعًا الصيف بقرار لا رجعة فيه، وينشر على البيوت فرحة وشجن، معلنًا عن وقت إقامة الأعراس والخطبات.
ها هو فصل الخريف، ليس بصقيع الشتاء وقسوته، ولا بقيظ الصيف الغارق في العرق المالح ..الذي يبدد فيه الفتيات جمالهن، حتى ولو كن موفورات الجمال، عندما تنصهر المساحيق على وجوههن الشابة.
لكن هذا الخريف جاء مبتعدًا عن كل تلك الثغرات المناخية التي تفسد الأعراس.
وسط هذا كله، في أحد المنازل، وفي إحدى الغرف المنسية، كومة كبيرة أشبه بكومة التبن، مكورة، متربة، وجدت لها مكانًا وسط زحام أمتعة قديمة، وما تبقى منها عبر الزمن في هذا البيت.
طرف صغير من الكومة يفصح عن أنها لفة كبيرة من القماش الفاخر، متربة من أثر الزمن، كأنها تركت طويلاً في الركن المظلم، في انتظار مقص ترزي أو مطرقة نجار، لتنجد بها الصالون.
كان القماش مصنوعًا من القطن المصري، مخلوطًا بالحرير الفاخر الأصلي، بصنعة باريسية، مفعمة بالأنوثة، محلى بزهور تفيض حياة وألوانًا لها العجب…
خليط ما بين ليالي باريس العطرة والحقول المصرية المشمسة الفائضة.
في أزمنة سابقة، وحتى الآن، هو غالي الثمن جدًا، حمله الأب والأم معهم من خارج البلاد عبر سفرة لهم، أيام كانوا فيها أكثر ترفًا، وسعة رزق وسعادة تفوق بكثير ما يعيشونه الآن من هم وبؤس.
اعتادت أبنتهم الوحيدة على ما تردد على مسامعها من أقاويل أمها، حول أن القماش لها منذ كانت طفلة، وباتت تحلم به يكلل جهاز عرسها الذي لم يأتِ أبدًا.
كانت زيجتها تعسة، وبدون عرس أو جهاز، لأنها فقدت بكارتها في حادث عنف أسري قديم ، وسط صمت العائلة.
زوجوها بأول شخص تقدم لخطبتها، حتى الأم أنكرت أنها أعطت القماش لابنتها، بل اتخذته لنفسها ليظل مهملاً، ومحجوزًا لحدث ما غامض، بمستقبل غير معلوم.
أما بيت الابنة، فرُش بالكامل من سوق المستعمل، في احتقار لم تراه في حياتها مثيل له.
دفعها ذلك للبكاء ليالٍ طويلة، مع تساؤل جارح يجول بخاطرها: كيف يمكن أن يكون الأهل بهذه القسوة والنفور؟
أما الزوج، فقد تصاعدت معاملته الفظة تجاه الفتاة التي تزوجها، على حد قوله، بأرخص الأثمان وأقل مجهود، كما لو كانت بضاعة مستهلكة صدئة، دون احترام أو أدنى تقدير، وعلى وجه الخصوص بسبب تفريطها بشيء غالٍ وثمين، رغم هشاشته: شيء يسمى غشاء البكارة.
لم يصدقها أبدًا أنها فقدته في حادث اعتداء بالضرب من أخيها الوحيد، عندما اصطدمت قدمه عرضا عوضا عن بطنها بعانتها لضربة قوية .و كأنها رجل يصارعه ليقتله !! لكن ذلك الكيان الأنثوي. كانت فتاة عذراء فقدت بكارتها في تلك اللحظة الجامحة دون أن تفقد نقطة دم واحدة، في حالة طبية نادرة تسمى الغشاء المطاطي .. لم يستوعبها لسنوات الأهل أو الزوج ولا حتى هي ..لم تذهب من مخيلتها ذلك المسمى الغامض طوال حياتها (الغشاء المطاطي ) ! حتى ذلك الدم البرىء شح الزمن عليها به .! و كأنها لا تليق بأن يسكن جسدها الوحيد ...
أما عن أسرتها عاملوها طوال حياتها على أنها لم تكن عذراء أبدًا من قبل ، و خيل لهم أنها قد تكون ولدت بدون ذلك الغشاء الذي كان من المفترض أن يحمي براءتها وعفتها، ليتمكنوا من الإنكار والخضوع لذواتهم المتعالية أمام الموروث ..وظل الأمر ملتبسا ...هشا .. مراوغا .
توالت الأيام، حتى طلقها الزوج في النهاية ، وتركها وحيدة، وذهب .
عادت إلى بيت عائلتها ..بينها وبين الله كانت تحمده .. أنهم تقبلوها مرة ثانية تسكن معهم بينما ظل حلم قماش جهاز العروس المسلوب، يسكن أمنياتها ..من حين لآخر تتسلل لتلك الغرفة تتحسسه بيدها، في موجات فرحة من الخيال عن بيت هانئ حلمت به يومًا ، وكان القماش يمطر محبته و يحمل بين ثنايا زهوره الوردية خليطا من امنيات البراءة وتلك الدماء العزيزة التي لم. تراها ابدا في حياتها .. .
ومثل الأزمنة الغابرة المظلمة، سقط الجميع في مستنقع التواطىء حول حرمانها من قماش عرسها المزهر الوردي ..
حتى جاء يوم خريفي آخر ..كان جميع سكان الحي في حالة استعداد لعرس إحدى الفتيات العذراوات، حضرت الابنة الوحيدة لتلك الأسرة الصغيرة ، التي فقدت عذريتها منذ زمن بعيد، وفي غفوة الزحام، تسللت إلى الغرفة التي احتُجز فيها القماش، وفي لحظة لا يعلمها الا الله ،،أضرمت فيه النيران.
في نوبة من الزعر ، التفوا حولها في محاولة لإطفاء النيران المشتعلة، التي التهمت القماش كله، وسط ضجيج ضحكاتها الصداحة .






