محمد المغربي يكتب: من يحمي أخلاقيات الاختلاف؟.. الحرية ليست رخصة للإساءة!
لم تعد المشكلة في اختلاف الآراء، فالاختلاف طبيعة الحياة وأساس تقدم المجتمعات، وإنما أصبحت المشكلة في الطريقة التي نتعامل بها مع هذا الاختلاف.
أصبحنا نشاهد مشهداً مؤسفاً على بعض منصات التواصل الاجتماعي، تحولت فيه المناقشات إلى معارك، والنقد إلى تصفية حسابات، والرأي المخالف إلى مبرر للشتائم والتشهير والخوض في الأعراض، وكأن امتلاك مساحة للنشر يمنح صاحبها الحق في إهانة الآخرين دون مسؤولية أو حساب!
والحقيقة أن هناك فارقاً كبيراً بين نقد الفكرة والتعرض لصاحبها، وبين مناقشة موقف عام واقتحام الحياة الشخصية للآخرين. فحرية الرأي حق للجميع، لكنها ليست رخصة للاعتداء على كرامة الناس أو انتهاك خصوصياتهم.
اقرأ أيضاً
لكن المسؤولية لا تقع على مستخدمي مواقع التواصل وحدهم، فهناك مسؤولية أكبر تقع على عاتق الإعلاميين والصحفيين. فالإعلام مهنة لها أصول، والصحافة رسالة لها ميثاق شرف، وليست مجرد سباق لجذب المشاهدات أو حصد الانفرادات.
ومن المؤسف أن نرى أحياناً أخباراً وتحليلات تُنشر عن خلافات وأزمات دون معلومات مكتملة أو تحقق من الوقائع، بل يمتد الأمر إلى تناول الحياة الشخصية لأطراف الخلاف، وتقديم الآراء والانطباعات باعتبارها حقائق، لمجرد تحقيق سبق أو إرضاء مصلحة أو تصفية حساب.
على الإعلامي والصحفي أن يدرك أن مصداقيته أهم من سرعة النشر، وأن دقة المعلومة تسبق السبق الصحفي، وأن احترام عقل الجمهور وخصوصية الناس جزء لا يتجزأ من أخلاقيات المهنة. وهنا نحتاج إلى استعادة تقاليد الصحفيين الرواد، الذين كانت قيمة الكلمة لديهم في دقتها وعمقها ومسؤوليتها، لا في حجم انتشارها.
أما الدولة والمؤسسات المعنية بالإعلام والثقافة والتعليم، فعليها مسؤولية لا يمكن تجاهلها. فكيف نطالب المجتمع بحوار راقٍ دون برامج حقيقية لبناء الوعي، ودون تفعيل مواثيق العمل المهني، ودون مواجهة التجاوزات وفق القانون، مع ضمان عدم استخدام ذلك ذريعة لتقييد حرية التعبير أو إسكات النقد؟
المطلوب ليس فرض وصاية على الأفكار، ولا صناعة رأي واحد، وإنما حماية حق الجميع في التعبير، وترسيخ ثقافة الاختلاف، ومحاسبة التجاوزات المهنية والقانونية وفق قواعد عادلة تطبق على الجميع دون استثناء.
أما نحن كمجتمع، فعلينا أن نراجع دورنا أيضاً. فنحن أحياناً نشارك في صناعة هذه الفوضى عندما نمنح المحتوى المسيء المشاهدات والتعليقات والمشاركات، فنساعد على انتشاره ونصنع شهرة لأصحابه.
لذلك، آن الأوان أن نتبنى ثقافة المقاطعة لكل محتوى يقوم على الابتذال والتشهير والإساءة. لا مشاهدة، لا مشاركة، ولا ترويج. فليس كل ما يثير الجدل يستحق الاهتمام، وليس كل ما يُنشر يستحق أن نمنحه من وقتنا.
وفي المقابل، علينا أن نتقبل النقد البناء، وأن نمتلك شجاعة الاختلاف، وأن يكون ردنا على الحجة بالحجة، وعلى الفكر بالفكر، وأن نناقش الأفكار والمواقف والأعمال دون تجريح أو تشويه أو خوض في الأعراض.
نحن لا نحتاج إلى مجتمع يتفق فيه الجميع، بل إلى مجتمع يعرف كيف يختلف دون أن يتخاصم، وكيف ينتقد دون أن يهين، وكيف يحاسب دون أن يشهّر.
فالحرية يا سادة لا تعني الفوضى، والمهنية لا تعني المصالح، والاختلاف لا يبرر الإساءة، والصمت عن التجاوزات ليس حكمة.
دعونا نعيد الاعتبار لقيمة الكلمة، ونحترم عقول بعضنا وكرامة بعضنا، وندرك أن بناء الوعي مسؤولية مشتركة لا تخص طرفاً دون آخر.
قاطعوا الإساءة.. احترموا المهنة.. واجهوا الحجة بالحجة.. ولا تجعلوا الابتذال هو اللغة السائدة في مجتمعنا.
فالمجتمعات لا تتقدم بالصوت الأعلى، ولا بالشتائم الأكثر انتشاراً، وإنما بالفكر والوعي والحرية المسؤولة واحترام الإنسان.
لسنا مطالبين بأن نتفق، لكننا مطالبون بأن نحترم حق بعضنا في الاختلاف.



محمد المغربي يكتب: ازدواجية المعايير والمبادئ.. حراس الحرية أم تجار الشعارات؟
محمد المغربي يكتب: اغتيال الإنتاج المستقل.. وصعود مراكز قوى تسعى للاستحواذ على السينما المصرية!
محمد المغربي يكتب: أصعب مرحلة في أي علاقة


