الحسـين عبـدالرازق يكـتب: شركـات المـحمول أمـام النيـابة!
لم تعد قضية الخطوط المجهولة مجرد حالة على مواقع التواصل الاجتماعي، ولا هي مجرد شكاوى متفرقة من مواطنين اكتشفوا وجود خطوط محمول مسجلة بأسمائهم دون علمهم، وإنما أصبحت قضية تستدعي التعامل معها بمنتهى الجدية؛ لأنها تتعلق ببيانات المواطنين، وحقوقهم، ومسؤولية الشركات التي تقدم هذه الخدمة.
وتأتي إحالة شركات المحمول الأربع إلى النيابة العامة لتؤكد أن الدولة لا تتعامل مع الأمر باعتباره مشكلة عابرة، وإنما باعتباره ملفًا يستحق التحقيق والمراجعة وتحديد المسؤوليات.
ولكي نكون واضحين..
الإحالة إلى النيابة ليست إدانة لأحد، وإنما هي بداية الطريق القانوني لمعرفة الحقيقة.
فالنيابة العامة هي الجهة المختصة بالتحقيق، وتحديد ما إذا كانت هناك مخالفات، ومن المسؤول عنها، وكيف حدثت، وما إذا كان هناك تقصير أو تجاوز يستوجب المساءلة.
وفي الوقت نفسه، فإن حماية المواطن لا ينبغي أن تتوقف عند اكتشاف المشكلة، وإنما يجب أن تمتد إلى منع تكرارها.
من هنا، فإن الاتجاه نحو الاعتماد على بصمة الوجه عند التعاقد على خطوط المحمول الجديدة يمكن أن يمثل خطوة مهمة في إحكام منظومة تسجيل الخطوط؛ لأن الخط الذي يُسجل باسم مواطن يجب أن يكون قد تعاقد عليه هو، وبإرادته، وبوسيلة تحقق تمنع أي تلاعب في هويته، كما قلنا في مقالنا السابق.
نحن لا نريد فقط أن نعرف: من المسؤول عن الخطوط التي ظهرت بأسماء مواطنين دون علمهم؟
بل نريد أن نضمن ألا تظهر هذه المشكلة مرة أخرى.
وهذا هو الفارق بين التعامل مع الأزمة، وبين حلها من جذورها.
لقد أصبحت بيانات المواطنين جزءًا أساسيًا من أمن المجتمع، وأي خلل في منظومة حمايتها لا ينبغي الاستهانة به؛ لأن الخط المسجل باسم شخص يمكن أن يُستخدم في معاملات أو ممارسات لا علاقة له بها، فيجد المواطن نفسه مضطرًا إلى إثبات أنه لم يفعل شيئًا لم يرتكبه.
لذلك، فإن المطلوب ليس فقط تشديد الرقابة على عمليات بيع وتسجيل الخطوط، وإنما أيضًا مراجعة الإجراءات بالكامل، والتأكد من أن كل خط جديد يمر عبر منظومة تحقق حقيقية، وأن مسؤولية أي مخالفة تقع على من يثبت ارتكابه لها، لا على المواطن الذي فوجئ بها.
والأهم أن يظل المواطن قادرًا، بسهولة ووضوح، على معرفة عدد الخطوط المسجلة باسمه، وأن يتمكن من الاعتراض على أي خط لا يعرفه، وإيقافه من خلال إجراءات سريعة وفعالة.
القضية في النهاية ليست قضية شركات، ولا قضية خطوط محمول فقط.
إنها بالأساس قضية ثقة..
ثقة المواطن في أن بياناته مصانة، وأن اسمه لا يمكن استخدامه دون علمه، وأن أي تجاوز سيواجه بالتحقيق والمحاسبة.
وإذا كانت الدولة قد بدأت بالفعل في اتخاذ خطوات أكثر حسمًا في هذا الملف، فإن الرسالة الأهم التي يجب أن تصل للجميع هي أن عصر الخطوط المجهولة يجب أن ينتهي.
خط باسم المواطن.. يجب أن يكون بعلمه، وبإرادته، وبمسؤوليته.
ومن يثبت مخالفته لذلك، فهناك قانون، وهناك جهات رقابية، وهناك نيابة تحقق، وقضاء يفصل.
ونحن نثق بالقضاء
حفظ الله مصر.









