ثورة طبية.. أول علاج موجه للأطفال المصابين باضطراب مينكيس النادر
في خطوة تُعد إنجازًا بارزًا على مستوى الطب الحديث، أعلنت إدارة الغذاء والدواء الأمريكية لأول مرة عن اعتماد علاج موجه للأطفال المصابين بمرض مينكيس.
يُعتبر هذا المرض واحدًا من أخطر الاضطرابات العصبية الوراثية النادرة التي تؤثر بشكل مدمر على الرضع من خلال تدهور سريع في وظائف الدماغ والجهاز العصبي.
يمثل هذا القرار بارقة أمل كبيرة لهؤلاء الأطفال، إذ يُوفر لهم فرصة حقيقية للعيش، بعد أن كان يُعتبر المرض في الماضي حكمًا بقِصر العمر لا يتجاوز السنوات الثلاث الأولى.
علاج مبتكر لمواجهة ندرة النحاس في الجسم
بحسب تقرير موقع Medscape Medical News، يعتمد العلاج الجديد على مركب "هيستيدينات النحاس"، وهو صيغة دوائية مُبتكرة تُعوِّض نقص النحاس الحاد داخل الجسم.
إذ يُعد نقص هذا العنصر الرئيسي أصل المشكلة التي تسبب تلف الخلايا العصبية وتراجع وظائف الجهاز العصبي لدى الأطفال المصابين.
أظهرت التجارب السريرية أن تزويد الجسم بكميات نحاس يسهل امتصاصها يمكنه كبح التدهور العصبي وأيضًا تحسين فرص البقاء على قيد الحياة، خاصة في الحالات التي يبدأ فيها العلاج باكرًا، من الأسابيع الأولى للحياة.
ما الذي يسبب مرض مينكيس؟
نشوء مرض مينكيس يرتبط بوجود طفرة جينية في جين "ATP7A"، المسؤول الأساسي عن نقل النحاس من الجهاز الهضمي إلى مختلف أنحاء الجسم. بغيابه، يفشل الجسم في استخدام النحاس بطريقة صحيحة، ما يؤدي إلى تلف متصاعد للخلايا العصبية والجهاز العصبي المركزي.
تظهر الأعراض الأولى لهذا المرض خلال الأشهر الأولى من حياة الطفل، متمثلة في ضعف العضلات، تشنجات متكررة، تأخر شديد في النمو، إضافة إلى مشكلات في السيطرة على الحركات الأساسية كالتحكم في الرأس وتحريك العينين.
وغالبًا ما كانت الحالات غير المعالجة تنتهي بفقدان حياة المصابين قبل بلوغهم سن الثالثة.
كيف يعمل العلاج الجديد؟
التقنية المبتكرة تعتمد على تعويض مستويات النحاس داخل الجسم باستخدام مركب مصمم خصيصًا لضمان الوصول السريع للعنصر إلى الخلايا العصبية، وتجنب أي تراكم سام له.
يتم إعطاء العلاج يوميًا عن طريق حقن تحت الجلد بجرعات دقيقة تخضع لمراقبة طبية مستمرة لضمان كفاءة الأداء وتجنب المضاعفات.
خلال التجارب السريرية، أظهرت النتائج أن التحكم المبكر من خلال العلاج خلال الشهر الأول يمكن أن يقلل معدلات الوفيات بنسبة تصل إلى 78% مقارنة بعدم تلقي أي تدخل علاجي.
وفاجأت بعض النتائج الأطباء والباحثين عندما أثبتت أن الأطفال الذين استمروا في العلاج قد استطاعوا العيش لعشر سنوات أو أكثر.
الأعراض الجانبية والمراقبة الدائمة
رغم فاعلية العلاج الملحوظة، فإن الدراسات رصدت بعض الأعراض الجانبية، مثل التهابات موضعية عند الحقن، ارتفاع طفيف في درجة الحرارة، نوبات متقطعة، واضطرابات تنفسية مؤقتة.
لكن لحسن الحظ، لم تُسجل آثار جانبية خطيرة عند غالبية الأطفال المشاركين بالتجارب، خاصة أثناء الالتزام بالإجراءات العلاجية الدقيقة ومتابعة نسب النحاس باستمرار.
وعلى الرغم من أن العلاج الحالي لا يُعدّ حلاً نهائيًا أو شفاءً تامًا للمرض، فإنه نجح في الحد بشكل كبير من تفاقم الأعراض ومنح الأطفال فرصة للعيش مع تحسُّن واضح في جودة حياتهم.
سنوات طويلة من الأبحاث تصل إلى لحظة تاريخية
على مدار أكثر من ثلاثين عامًا، سعت الأبحاث العلمية لإيجاد علاج آمن لهذا المرض المميت. إحدى أهم التحديات كانت تصميم صيغة دوائية تنقل النحاس إلى الجهاز العصبي دون التسبب في أضرار.
وبفضل الإنجازات العلمية المتلاحقة وتعزيز التجارب السريرية، تم تطوير هذه التركيبة الفعالة والحصول أخيرًا على الموافقة الرسمية لها في يناير 2026.
الدكتورة تريسي بيث هوغ، وهي مسؤولة بارزة بمركز تقييم الأدوية في FDA، وصفت اعتماد العلاج الجديد بأنه "تقدم كبير يسلط الضوء على إمكانية تحقيق اختراقات طبية لمواجهة الأمراض الوراثية النادرة". وأضافت أن الآمال التي كانت تُعتبر ضربًا من الخيال قد أصبحت اليوم واقعًا ملموسًا ينقذ الأرواح.
نحو مستقبل واعد بالأمل
يؤكد المتخصصون أهمية التشخيص المبكر كعامل حاسم لضمان نجاح العلاج



