السبت 23 أكتوبر 2021 01:23 صـ 16 ربيع أول 1443هـ
أنا حوا

رئيس التحرير محمد الغيطي

المدير العام منى باروما

يحدث الآن
أنا حوا

د. وفاء كمالو تكتب: المحاكمة الأشرس لتابوهات السيرة الهلالية

أنا حوا
يشهد المسرح المصري حاليا , حدثا فنيا عبقريا تبعثه التجربة اللامعة " التغريبة بنت الزناتي" , باعتبارها من الأعمال النادرة التي تفتح مسارا للعقل النقدي , يخترق الصيغ المقيدة بحثا عن الدهشة والمعرفة , يكشف عن وعي بأبعاد المأزق العنيد , وعن محاولات لطرح حس جمالي جديد , يقبل التساؤلات ويحرر المعرفة , ويعيد ترتيب العلاقات بعيدا عن السائد والمألوف , ويعلن عن ميلاد قيم جمالية وفكرية تكرس للجدل , وتشتبك بحرارة مع وقائع وجود إنساني مشحون بالأحلام والهزائم والانكسارات .

هذه التجربة من إنتاج قطاع الفنون الشعبية والاستعراضية , تقدمها فرقة الموسيقى الشعبية على قاعة صلاح جاهين بمسرح البالون , الإعداد للكاتب الواعد بكري عبد الحميد , والإخراج للفنانة الشابة المتميزة منار زين , وفي هذا السياق تضافرت الكتابة الحية المثيرة للجدل , مع الرؤية الإخراجية الطموحة المغايرة , لتضعنا أمام أشرس محاكمة لتابوهات السيرة الهلالية  , فمن المؤكد أن الميراث الثقافي والإبداع الأدبي قابل للطرح إلى ما لانهاية , ولكن هذا الطرح يجب ألا يأتي لمجرد الحنين إلى أحداث الماضي ومحاولة إسقاطها على الحاضر , بل يجب أن يأتي وفقا لمنظور له دلالاته التي تتفاعل مع الحاضر بغرض تغييره ومنحه أبعادا أكثر قدرة على التواصل مع المستقبل , وفي هذا الإطار نجد أن أغلب المسرحيين العرب قد وضعوا السير الشعبية في أطر ثابتة لا يخرجون عنها , فتحولت إلى تابوهات جامدة وامتلكت مادتها قوة جذب هائلة تدفع الجميع إلى الدخول في أفق سياقها من خلال الحكاية والأحداث والشخصيات والأبطال , وامتدت القيود ليظل هناك ارتباط وثيق بحدودها ورؤاها وأفكارها وأبعادها التاريخية , وبذلك غابت الرؤى الجمالية الطموحة , وظلت السير الشعبية بعيدة تماما عن منطق استخدامها كنمط لمادة إبداعية جديدة .

هكذا تأتي مسرحية بنت الزناتي لتكسر التابوهات الجامدة والقيود التاريخية الثابتة , وتعيد للسير الشعبية إمكانات استخدامها كمصدر لمادة إبداعية جديدة ثائرة تموج وعيا وفكرا وجدلا ومساءلة , حيث يأخذنا الكاتب بكري عبد الحميد إلى مواجهة مأساوية ساخنة , تمزق أقنعة أبطال السيرة الهلالية , فكشف أبعاد الأعماق , طبيعة الصراعات , ملامح السلطة وأسرار العشق والجنس والسقوط , لتصبح تراجيديا الدم والموت هي المسار الحتمي الوحيد لطرح التساؤلات والبحث عن الإجابات , وفي هذا الإطار اللاهث المتوتر تقودنا بانوراما التفاصيل الغزيرة الدالة , إلى منطقة شائكة ينطلق عبرها هذا العرض الثري , الذي يبدأ في تلك اللحظة الفارقة حين استطاع " دياب بن غانم " , المحسوب على بني هلال – استطاع أن يسيطر بقوة على تونس الخضراء - , بعد أن عجز سلطان الهلالية عن احتلال المملكة الثرية , وأصبح أبناؤه الثلاثة الأمراء يونس , مرعي, ويحيي , أسرى في سجون الزناتي .

تمتد وقائع التسلط , ويعلن دياب بن غانم عن رغبته الآثمة في اغتصاب "سعدي " ابنة الخليفة , تلك المرأة الجميلة , ابنة المملكة القوية البعيدة , التي يحكمها الزناتي خليفة , الحاكم الذي عشق مملكته واعتبرها الأنثى التي تسكن أعماقه , فامتلكها وظل يمارس دراما وجوده من خلال نرجسيته واستبداده , فكل شيء في المملكة مختوم بختم الزناتي , وفي هذا السياق كانت ابنته الوحيدة سعدي هي زهرة فريدة الحسن طاغية الأنوثة , في أعماقها أشواق حارة لفارس لم يأت بعد , لكن العرافات والرمال أخبروها أنه سيأتي قريبا .

هناك في الشرق في صحراء نجد , كانت قبائل الهلالية تعيش زمن الأزمة والقحط والجفاف , وكان الحل الوحيد هو البحث عن مملكة غنية لغزوها , وهكذا يقرر السلطان أن يرسل أبا زيد الهلالي للبحث عن الخلاص في تونس حيث الخصب والثراء الفاحش , ويذكر أن شيوخ القبائل اجتمعوا على أن يذهب أبناء السلطان الثلاثة ليرافقوا الفارس المخلص في رحلته الصعبة , تلك الرحلة التي حققت نبوءة العرافات , فالتقت سعدي بمرعي فارسها المنتظر , وكانت المواجهة بين ابي زيد الهلالي والزناتي , وتفتحت مسارات الحب ومدارات الحرب والصراعات الوحشية على السلطة والأرض , وظلت علاقة سعدي بمرعي هي الشرارة التي فجرت جماليات الوعي والجدل في عرض التغريبة بنت الزناتي .

تتضح أبعاد المفارقة المدهشة التي يرتكز عليها العرض في أن السيرة الهلالية كما هي تطرح علاقة سعدي ومرعي باعتبارها قصة حب أسطورية تموج بالشرف والجمال والتضحية , بينما الحقائق تأتي مفزعة ومخيفة تتكشف أبعادها حين تفجرت رغبة دياب بن غانم في اغتصاب سعدي , التي تضطر إلى الاستغاثة بالهلالية لينقذوها من وحشية دياب , وفي هذا السياق يستدعي الكاتب المتميز بكري عبد الحميد - , يستدعي أبا زيد الهلالي وخضرة الشريفة والجازية وبعض الأمراء , ليحاكمهم ويعلن إدانتهم , وعبر الحوار المكثف تتمزق الأقنعة وتأتي تقنيات الفلاش باك لتكشف أبعاد قصة حب سعدي , ونعلم أنها خانت بلادها وخانت أباها الخليفة , حاولت قتله كما رأيناها على الشاشة وهي تمسك حربة دياب كي تسقط المملكة القوية , وفي سياق متصل يكشف العرض برشاقة مدهشة عن حقيقة دياب , الذي لا ينتمي فعليا إلى بني هلال , كما أنه يضع خضرة الشريفة في إطار المساءلة المنطقية حول حقيقة الأب الفعلي لابنها أبي زيد الهلالي , صاحب البشرة السمراء الداكنة , المشكوك في نسبه إلى أبيه المعلن , وبذلك يصبح الشك هو المنطق الأكثر حضورا في قلب هذه التجربة الخلابة , التي تضع كل علاقات وبطولات السيرة الهلالية في حيز التفكير العقلي والشك الجدلي , وتهز الثقة في أغنيات الرواة , وتؤكد أن الهلالية غزاة محتلون , محكومون بالخيانة والدم والمؤامرات , تلك الحالة التي بعثت اشتباكا حارا مع وقائع وجودنا العربي المسكون بالصراعات الدموية المفزعة , وهو ما منح العرض حضورا قويا يشاغب أعماق المتلقي , ويضع المسرحية في سياق معاصر حديث .

تشتبك جماليات الإخراج مع أبعاد التشكيل السينوغرافي , الحركة تفرض نفسها على الحالة الدرامية , قاعة العرض يلفها سور متهالك يموج بالدلالات , الشجرة الضخمة الجرداء تأخذنا إلى الأحداث في تونس , السجن المصنوع من الحبال القوية المتشابكة يضم الأمراء يونس ومرعي ويحيي , وحين تنتقل الأحداث إلى نجد تروي الموتيفات الأنيقة عن ليالي العرب , كرسي سلطان الهلالية يبوح بأسرار السياسة وجموح السلطة , المشاعل تشاغب الظلام وتكشف لحظات الحب والعشق والخيانة والمؤامرات , الجمهور يجلس بشكل دائري , والقرص الدوار المتحرك يتم توظيفه بأسلوب متميز , حيث نعود مع الحركة الخلفية إلى الماضي لنعايش تفاصيل حياة أبطال العرض .

بعثت المخرجة الجميلة منار زين حالة من الوعي والجمال والإبداع , جاءت رؤاها صادمة مسكونة بالمعرفة , استطاعت أن تسيطر على الزمن عبر تقنيات بسيطة متميزة , التصاعد الحار يبعث وهجا وحيوية واندفاعات , لغة الضوء الدرامي تأتي كسيمفونية من المشاعر والنبضات , الرؤى الجمالية الحديثة تؤكد أننا أمام فنانة تمتلك الموهبة والحضور والإيقاع , المزج الدقيق بين الأداء التمثيلي والأداء الحركي والحكي , يبعثون مواجهات الماضي والحاضر والمستقبل , الدلالات الحية تتخذ مسارها إلى عقل المتلقي , واللحظات النارية المسكونة بالمشاعر الوحشية , تتبلور عبر الدراما الحركية اللافتة , التي تابعنا من خلالها اندفاعات العشق والهوى والسقوط بين سعدي وحبيبها مرعي , وإيقاعات الصد والرفض والنفور بينها وبين دياب , الذي أراد اغتصابها , كي تسقط هي ومعها مملكة أبيها الخليفة , تلك الحالة التي جاءت منسوجة في صميم دراما العرض , والتي فتحت الأبواب أمام أساليب عصرية جديدة لرواية السير الشعبية , دون تجاوز جماليات الموروث الشعبي , الذي جاء مضيئا مشرقا متميزا عبر العزف الثري الجميل لفرقة الآلات الشعبية .

شارك في المسرحية الفنانة الجميلة فاطمة عادل , صاحبة الموهبة والحضور والأداء المدهش لشخصية سعدي المركبة , المشحونة بالتناقضات والمدفوعة إلى حضيض السقوط , أما الفنان محمد حفظي فهو يمتلك الكاريزما والوعي وسحر الأداء وعمق الإدراك , وشاركهما مجموعة كبيرة من الفنانين الواعدين .

كان الديكور لعمرو الأشرف , والتشكيل الحركي لمناضل عنتر , وكانت الموسيقى لهاني عبد الناصر , والأزياء لشروق سامي .  وايضا.. هند الصنعاني تكتب.. «من يؤتمن على العرض!» وأيضًا..https://www.facebook.com/anahwa2019

أسعار العملات

العملةشراءبيع
دولار أمريكى​ 15.634215.7342
يورو​ 18.686018.8118
جنيه إسترلينى​ 21.765921.9130
فرنك سويسرى​ 16.809116.9239
100 ين يابانى​ 14.339314.4350
ريال سعودى​ 4.16834.1952
دينار كويتى​ 51.768852.1171
درهم اماراتى​ 4.25594.2840
اليوان الصينى​ 2.40202.4176

مواقيت الصلاة

السبت 01:23 صـ
16 ربيع أول 1443 هـ 23 أكتوبر 2021 م
مصر
الفجر 04:35
الشروق 06:02
الظهر 11:39
العصر 14:51
المغرب 17:17
العشاء 18:34