السمن والكوليسترول: حقائق علمية تكشف متى يكون مفيدًا ومتى يضر بصحة القلب؟
يُعد السمن من المكونات الأساسية في المطابخ العربية والشرقية، حيث يمنح الأطباق نكهة غنية لا تضاهيها الدهون الأخرى، لكنه في الوقت نفسه يظل محور جدل طويل بين مؤيد يصفه بالكنز الغذائي ومعارض يحذّر من مخاطره على القلب والكوليسترول. فما الحقيقة العلمية؟ وهل يمكن التوفيق بين الطعم اللذيذ وصحة القلب؟ الإجابة، كما ستكشف الدراسات الحديثة، أكثر تعقيدًا مما تبدو عليه، وتعتمد بدرجة كبيرة على الكمية والسياق الغذائي العام.
ما هو السمن وكيف يختلف عن الزبدة؟
السمن هو نوع من الزبدة المصفاة، يتم تحضيره من خلال تسخين الزبدة وإزالة الماء والمواد الصلبة الموجودة في الحليب، ليبقى في النهاية محتوى غني بالدهون. وتُظهر الأبحاث أن السمن البلدي يُصنع من خلال عملية طهي بطيئة تقليدية تزيل اللاكتوز والكازين، مما يجعله أسهل في الهضم مقارنة بالزبدة العادية لدى بعض الأشخاص. كما يحتوي السمن على مركبات مفيدة مثل حمض اللينوليك المترافق (CLA) والفيتامينات القابلة للذوبان في الدهون A و D و E و K.
هل يرفع السمن الكوليسترول؟ قراءة في الأدلة العلمية
يحتوي السمن على نسبة مرتفعة من الدهون المشبعة، والإفراط في تناولها قد يؤدي لدى بعض الأشخاص إلى ارتفاع مستوى الكوليسترول الضار LDL في الدم. وتشير إحدى الدراسات إلى أن السمن، بصفته دهنًا مشبعًا نقيًا، قد يرفع الكوليسترول الضار أكثر من الزيوت الغنية بالدهون غير المشبعة. كما أشارت بعض الأبحاث إلى أن السمن قد يزيد مستويات ApoB، وهو مؤشر يرتبط بخطر الإصابة بأمراض القلب.
لكن الصورة ليست أحادية الجانب؛ إذ تشير دراسات أخرى إلى أن تأثير السمن على الكوليسترول قد يكون أقل ضررًا مما كان يُعتقد سابقًا. فالسمن غني بالأحماض الدهنية قصيرة السلسلة، مثل حمض الزبدة، التي يسهل هضمها وتُستخدم بسرعة كمصدر للطاقة. وتشير بعض الأبحاث إلى أن الاستهلاك المعتدل للسمن لا يزيد بشكل ملحوظ من مستوى الكوليسترول الضار كما تفعل الدهون المتحولة والزيوت المعالجة بشكل مفرط. كما أظهرت دراسة أجريت على الفئران أن السمن قد يُحدث تأثيرات خافضة للكوليسترول عبر تعزيز إفراز المكونات الصفراوية، مع انخفاض في مستويات الكوليسترول الكلي بنسبة تتراوح بين 10 و25%. وفي المقابل، أظهرت دراسات أخرى على الحيوانات أن السمن زاد من الكوليسترول الكلي والكوليسترول الضار في بعض النماذج.
السمن البلدي مقابل الدهون المصنعة: مقارنة مهمة
يربط الكثيرون السمن ببدائل الزبدة أو السمن النباتي المهدرج، لكن المفارقة أن السمن البلدي قد يكون أقل ضررًا من الدهون المتحولة الموجودة في السمن الصناعي. فالدهون المصنعة غالبًا ما تحتوي على الدهون المتحولة، والتي ثبت علميًا أنها ترفع الكوليسترول الضار وتضر بصحة القلب بشكل أكبر. كما أن درجة احتراق السمن العالية تجعله دهن طهي أكثر أمانًا، لأنه ينتج مركبات ضارة أقل عند تسخينه مقارنة بالزيوت النباتية المكررة. ويشير بعض خبراء التغذية إلى أن السمن البلدي قد يكون خيارًا أفضل من الزيوت المهدرجة التي قد تسبب مشاكل صحية في حالة الإفراط في تناولها.
ما الكمية الآمنة؟ وكيف يتناول مرضى القلب السمن؟
لا يمكن وصف السمن بأنه ضار لصحة القلب بشكل مطلق، كما لا يمكن اعتباره غذاءً مفيدًا للقلب دون قيود، إذ تعتمد تأثيراته بشكل كبير على كمية تناوله والنظام الغذائي العام. وبالنسبة لمعظم الناس، يمكن إدراج كميات معتدلة - حوالي ملعقة إلى ملعقتين صغيرتين يوميًا - بأمان ضمن نظام غذائي متوازن. ومع ذلك، ينبغي على الأفراد الذين يعانون من أمراض القلب أو ارتفاع الكوليسترول توخي الحذر الشديد، إذ يُنصح بعدم الاعتماد على السمن كمصدر أساسي للدهون. ويشير بعض الأطباء إلى أن سمن الغنم تحديدًا عالي الكوليسترول والدهون الثلاثية ولا يُنصح به لمرضى الكوليسترول. كما ينبغي على مرضى القلب أو الأشخاص الذين يعانون من عوامل خطر مثل السكري استشارة الطبيب أو اختصاصي التغذية لتحديد الكمية المناسبة وفقًا للحالة الصحية.
نصائح عملية لتناول السمن بطريقة أكثر أمانًا
لمن يرغب في الاستمرار بتناول السمن ضمن نظام غذائي متوازن، يمكن اتباع النصائح التالية:
- استخدام كمية صغيرة من السمن أثناء إعداد الطعام، وعدم الاعتماد عليه كمصدر رئيسي للدهون.
- التنويع بين مصادر الدهون واختيار الدهون غير المشبعة بصورة أكبر، مثل زيت الزيتون وزيت عباد الشمس.
- الإكثار من الخضروات والفواكه والحبوب الكاملة والبقوليات، التي تساعد على خفض الكوليسترول.
- تقليل الأطعمة الغنية بالدهون المشبعة والمصنعة، مثل جلود الفراخ ودهون اللحوم الحمراء والجبن المطبوخ.
- الحفاظ على وزن صحي وممارسة النشاط البدني بانتظام، إذ تُعد السمنة من أهم العوامل المؤدية لأمراض القلب.
الخلاصة: السمن ليس طعامًا ممنوعًا لكنه ليس علاجًا للقلب
السمن ليس طعامًا ممنوعًا على الجميع، لكن الإفراط في تناوله ليس خيارًا مناسبًا لصحة القلب، خاصة لدى الأشخاص الذين يعانون من ارتفاع الكوليسترول أو أمراض القلب. والأفضل هو استخدامه بكميات محدودة، مع الاعتماد بصورة أكبر على مصادر الدهون الصحية واتباع نظام غذائي متوازن غني بالخضروات والحبوب الكاملة. فالسمن، مثل معظم الأطعمة الغنية بالدهون، يصلح ضمن نظام غذائي متوازن عند تناوله باعتدال، لكنه ليس غذاءً خارقًا يحمي القلب كما يروج البعض، وليس سمًا قاتلًا كما يحذر آخرون. الحقيقة، كما هو الحال دائمًا في علوم التغذية، تقع في المنتصف.








