الحسين عبدالرازق يكتب: الرئيس الصيني.. ولغة القوة الهادئة!
طائرتان أمريكيتان من طراز B-1 تحلقان فوق مراسم الاستقبال، وصوت محركاتهما يملأ المكان.. الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يتفاعل بوضوح مع شدة الصوت، بينما رئيس الصين يتابع الطائرات بعينيه دون حركة جسدية لافتة.
هذا ما حدث خلال مراسم استقبال الرئيس الصيني شي جين بينغ في أمريكا!
لم تكن أكثر اللقطات لفتًا للانتباه، الأعلام، ولا السجاد الأحمر، ولا مراسم التشريفات العسكرية.. وإنما كانت تلك اللحظة العابرة، التي حملت قدرًا كبيرًا من الدلالات البصرية.
المشهد انتشر على نطاق واسع، ثن تحول إلي سؤال : هل نحن أمام اختلاف طبيعي في ردود الفعل؟ أم أن ما ظهر على وجه الرئيس الصيني وجسده يكشف عن درجة مرتفعة من التحكم الانفعالي؟
علم النفس وعلم الأعصاب يجيبان علي هذا السؤال ..
فالاستجابة المفاجئة لصوت شديد القوة ظاهرة فسيولوجية معروفة، تسمى Startle Response، وهي استجابة لا إرادية يمكن أن تشمل الرمش، وانقباض العضلات، وحركة الرأس والجسد، وتغيرات في ضربات القلب والتنفس وضغط الدم.
ولذلك..
فإن انزعاج ترامب الظاهر من صوت القاذفات لا يعني بالضرورة خوفًا، كما أن عدم ظهور استجابة واضحة على «بينغ» لا يثبت أنه لم يتأثر!
لقطة رئيس الصين أثارت الاهتمام ..
هو لم يتجاهل الطائرات، وعيناه تابعتا حركتها. أي أنه كان منتبهًا للمثير، لكنه لم يُظهر القدر نفسه من الحركة الانفعالية.
الدراسات النفسية تميز بين الشعور الداخلي وبين التعبير الخارجي عنه. فالإنسان يستطيع أن يشعر بمثير قوي، وفي الوقت نفسه يحافظ على درجة عالية من التحكم في التعبير عن استجابته.
ومع ذلك، فإن تكرار نمط معين في الظهور العام يمكن أن يعطينا شيئًا مهمًا.. أسلوبًا في إدارة الصورة والانفعال.
ومن هذه الزاوية تحديدًا، تبدو نظرات بينغ وحركاته محسوبة وهادئة، ولا تعتمد على كثرة الإيماءات أو ردود الفعل السريعة لجذب الانتباه.
وهذا النوع من السلوك له أهميته البالغة في السياسة الدولية، لأن لغة الجسد لا تعمل في فراغ، وإنما أمام كاميرات ومنافسين وجمهور عالمي يبحث عن أي إشارة يمكن تفسيرها باعتبارها توترًا أو ارتباكًا أو ثقة.
لذلك، فإن الرجل الذي لا يندفع سريعًا إلى التعبير عن مشاعره يترك مساحة أقل للآخرين لقراءة ردود أفعاله.
وهنا تكمن قوة الهدوء.
لكن يمكننا القول، إن الصورة التي نقلتها الكاميرات كانت صورة رئيس حافظ على ثبات جسده وتعبيره الخارجي، رغم وجود مثير مفاجئ وشديد الصوت.
وهذه الصورة، بحد ذاتها، كانت كافية لتفتح بابًا واسعًا للنقاش حول مفهوم القوة في سلوك القادة.
فالقوة لا تظهر دائمًا في الصوت المرتفع، ولا في الحركة الكثيرة، ولا في الاستعراض.
أحيانًا..
تظهر القوة في القدرة على ألا تفعل شيئًا.
وهو ما يُعرف في أدبيات القيادة بـ Emotional Discipline (الانضباط العاطفي).
وفي عالم السياسة، حيث كل نظرة محسوبة، وكل حركة قد تتحول إلى عنوان، يصبح الهدوء في حد ذاته لغة.
حفظ الله مصر.








