الحرب التجارية تصل إلى الحمامات: هل تشهد أمريكا أزمة ورق مرحاض جديدة؟
في تطور يبعث على السخرية تارة والقلق تارة أخرى، وجدت الولايات المتحدة نفسها أمام سيناريو مألوف: تحذيرات رسمية من نقص محتمل في ورق المرحاض، ليس بسبب جائحة هذه المرة، بل بسبب حرب تجارية مع كندا، أكبر مورّد لهذا المنتج إلى السوق الأمريكية. ومع إعلان أوتاوا عن رسوم انتقامية تصل إلى 50% على المنتجات الورقية، عادت ذكريات أزمة 2020 لتلقي بظلالها على المستهلك الأمريكي.
ما الذي يحدث بالضبط؟
أعلنت كندا أنها ستفرض رسومًا جمركية انتقامية على سلسلة واسعة من المنتجات الأمريكية اعتبارًا من الثامن من سبتمبر، ردًا على الرسوم الجمركية العقابية التي فرضتها إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. وتشمل هذه الرسوم، التي تتراوح نسبتها بين 25% و50%، لفائف مناديل المرحاض والمنتجات الورقية التي تستخدم كلبّارة لصناعة ورق المرحاض، إلى جانب أدوات المطبخ ومواد التغليف ومستحضرات التجميل والشامبوهات.
وتُعد كندا المورّد الأكبر لورق المرحاض إلى الولايات المتحدة، حيث بلغت قيمة واردات واشنطن من هذا المنتج من كندا وحدها حوالي 328 مليون دولار خلال عام 2024. وهذا يعني أن أي زيادة في الرسوم الجمركية ستنعكس مباشرة على أسعار الرفوف في المتاجر الأمريكية.
وتشير التقديرات إلى أن تكاليف ورق المرحاض قد تتضاعف في بعض السيناريوهات إذا ما استمر التصعيد التجاري.
دعوات رسمية لضبط النفس.. والسبب؟
في خضم هذه الأجواء المتوترة، خرجت الرابطة الأمريكية للغابات والورق، وهي الرابطة التجارية لمصنّعي ورق التواليت والمنتجات الورقية الأخرى في الولايات المتحدة، ببيان واضح: "من المهم أن تفهم الأسر والمنازل أنه لا يوجد داعي للذعر". وأضافت المتحدثة باسم الرابطة أن "سلاسل توريد المناديل الورقية في الولايات المتحدة جرى تصميمها بحيث تكون قادرة على التنبؤ وفعالة، ويمكن أن تشكل الزيادات المفاجئة في الطلب ضغطًا غير ضروري على منظومة شيدت لتفي بشكل موثوق بالاحتياجات العادية للأسر".
وهذا التحذير ليس اعتباطيًا، بل يستند إلى دروس قاسية من الماضي القريب. ففي بداية جائحة كوفيد-19، أدى التهافت على شراء ورق المرحاض إلى نقص حاد في المتاجر الأمريكية، رغم أن سلاسل التوريد لم تكن تعاني من أي خلل جوهري في الإنتاج. وقد أظهرت دراسات لاحقة أن حوالي 20% من سلوك التخزين الجماعي يمكن تفسيره بالقلق العام والميل الفردي للتوتر.
أرقام تتحدث: من يستهلك أكثر؟
تكشف الأرقام عن حجم الاستهلاك الأمريكي الهائل لهذا المنتج اليومي الأساسي. فوفقًا لحسابات منصة الإحصاءات Statista، بلغ متوسط استهلاك الفرد الأمريكي حوالي 141 لفة ورق مرحاض سنويًا في عام 2018، وهو أعلى من أي دولة أخرى شملها المسح في ذلك الوقت. وبشكل عام، تستخدم الأسرة الأمريكية المتوسطة حوالي 409 لفات سنويًا. وهذا الاستهلاك المرتفع يجعل أي اضطراب في سلاسل التوريد أو ارتفاع في الأسعار ذا تأثير مباشر على ميزانيات ملايين الأسر.
دروس من 2020: لماذا يشتري الناس بذعر؟
لماذا يتسبب ورق المرحاض تحديدًا في كل هذا الذعر؟ الإجابة تكمن في طبيعة المنتج نفسه. فورق المرحاض منتج ضخم الحجم ومنخفض الربح، لذلك تحتفظ المتاجر بمخزون أقل منه مقارنة بمعظم المنتجات الأخرى. وفي أي أزمة يندفع فيها الناس للتخزين، يكون ورق المرحاض من أوائل المنتجات التي تختفي من الرفوف. وقد شهدت أمريكا ذلك بوضوح في مارس 2020، عندما أنفقت الأسر الأمريكية حوالي 1.4 مليار دولار على ورق المرحاض في أربعة أسابيع فقط، بزيادة قدرها 102% عن الفترة نفسها من العام السابق.
ماذا يعني هذا للمستهلك الأمريكي؟
في المدى القصير، تؤكد الرابطة الأمريكية للغابات والورق أن سلاسل التوريد قادرة على تلبية الاحتياجات العادية، وأنه لا حاجة للتهافت على الشراء. لكن في المدى الأبعد، يبقى السؤال مفتوحًا حول تأثير الرسوم الجمركية الجديدة على أسعار الرفوف. فمن جهة، ستزيد الرسوم الانتقامية من حالة عدم اليقين والتكاليف على المصنّعين والعمال والمستهلكين على جانبي الحدود. ومن جهة أخرى، قد تدفع الزيادات المفاجئة في الطلب، إذا ما استجاب المستهلكون بالذعر، إلى إجهاد نظام صُمم لتلبية الاحتياجات العادية فقط.
ويبقى السيناريو الأسوأ هو تكرار مشاهد عام 2020، عندما تحولت المتاجر الأمريكية إلى ساحات معارك على لفائف ورق التواليت. غير أن الفارق الجوهري هذه المرة أن الأزمة ليست وبائية، بل سياسية تجارية، وهو ما يعني أن الحل قد يكون في متناول الدبلوماسية قبل أن تصل الأزمة إلى رفوف الحمامات الأمريكية.








