محمد المغربي يكتب: ازدواجية المعايير والمبادئ.. حراس الحرية أم تجار الشعارات؟
لسنا أبداً ضد الحرية، لكننا ضد من يتاجرون بها.. ولسنا ضد الاختلاف، لكننا ضد الكيل بمكيالين.
كلما تحدثتم عن الحرية، تذكروا أن الحرية لا تتجزأ، وأن الدفاع عنها لا يكون بالانتقاء ولا وفقاً للأسماء والمصالح!
مشكلتنا الحقيقية لم تعد في اختلاف الآراء، ولا في حق الفنانة في اختيار ملابسها، فهذا أمر يدخل في نطاق الحرية الشخصية، وإنما في ازدواجية المعايير التي أصبحنا نشاهدها بوضوح لدى بعض من نصبوا أنفسهم حُراساً للحرية والمدافعين عن حقوق المرأة.
اقرأ أيضاً
فحين تتعرض الفنانه إلهام شاهين للانتقاد، تنتفض مجموعة من الأصوات دفاعاً عنها، وترفع شعارات حرية الإبداع وحرية المرأة، وتعتبر أي رأي مخالف نوعاً من الرجعية والتخلف والسلفية، بل يصل الأمر إلى اتهام المجتمع كله بأنه أصبح مجتمع سلفي وجاهل لا يفهم شيئاً!
وعندما يتحدث البعض عن تجاوزات في ملابس بعض الفنانات وليس الكل، يخرج علينا الدكتور مدحت العدل ويتهم الشعب بالجهل والرجعية وأنه كاره للمرأة والسينما والفنون وينهي تصريحه: "لما المرأة تكون عاوزة *تقلع* اي حاجه ودي حرية شخصية، بيتقال عليها كافره وكذا وكذا ، ما هو فيه *رده* واحنا عايشين في *رده* طبعاً ".
حسناً، نحن لا نعترض على مبدأ الحرية الشخصية، لكن أين كانت هذه الحماسة عندما تحدثت سيدة عن حق المرأة المحتشمة في الاحترام، وعن صورة المرأة المصرية وخصوصيتها الحضارية؟
أين اختفى الدفاع عن حرية الرأي؟ وأين اختفت شعارات تقبل الاختلاف؟ أم أن الحرية أصبحت حقاً حصرياً لمن يتفق معكم، بينما يتحول كل من يخالفكم إلى جاهل ومتخلف ورجعي؟
ثم جاءت الإعلامية الكبيرة نجوى إبراهيم، ولم تذكر اسم مهرجان أو أشخاص بعينهم، وإنما تحدثت عن خروج بعض المظاهر عن النسق الحضاري للمرأة المصرية، فإذا ببعض المدافعين عن الحريات يفتحون دفاتر الاتهامات الشخصية، ويوجهون إليها اتهامات بالفساد والرشوه وغيرها من الاتهامات التي لا علاقة لها بموضوع النقاش.
وهنا يبرز السؤال: أليس هذا هو نفسه الخوض في الحياة الشخصية الذي ترفضونه عندما يتعلق الأمر بالفنانه إلهام شاهين؟
كيف تطالبون الناس بعدم الخوض في الحياة الشخصية لفنانه، ثم تسمحون لأنفسكم باغتيال سمعة سيدة أخرى لمجرد أنها عبّرت عن رأي لم يعجبكم؟
وأنا هنا لا أتحدث عن الأعمال الفنية لإلهام شاهين، ولا أقيم تاريخها السينمائي أو سيرتها وتاريخها الشخصي وعدد زيجاتها ، وإنما أتحدث عن مبدأ واضح: إذا كنتم ترفضون تناول الحياة الشخصية للأشخاص، فعليكم الالتزام بالمبدأ نفسه مع الجميع.
وبالمناسبة، فإن ما شاهدناه من هجوم المستشار مرتضى منصور على إلهام شاهين أمر مؤسف جداً، وأنا لست مؤيداً لأسلوبه أو لطريقة حديثه، بل حزنت بالفعل بعد مشاهدة الفيديو، لكن رفضنا لهذا الأسلوب لا يعني أن نمنح طرفاً حصانة مطلقة، أو أن نبرر التجاوز من طرف ونجرّمه من طرف آخر.
يا سادة، نحن أمام أزمة قيم حقيقية، ولسنا أمام معركة من أجل الحرية كما تحاولون تصويرها.
لقد تحول النقاش العام إلى ساحة لتبادل الاتهامات، وتصفية الحسابات، وتوزيع صكوك الشرف والفساد وفقاً للمواقف والمصالح. وأصبح بعض المنتفعين يرفعون شعارات براقة، بينما يمارسون عكسها تماماً عندما تتعارض مع مصالحهم.
أنتم لا تدافعون عن الحرية بقدر ما تستخدمون شعاراتها لتحقيق مآرب أخرى، ولا تدافعون عن المرأة بقدر ما تنتقون من النساء من يستحق دفاعكم، وفقاً لحساباتكم الخاصة.
فالحرية ليست امتيازاً تمنحونه لمن تحبون، ولا سيفاً تشهرونه في وجه من يخالفكم. والمرأة ليست امرأة فقط عندما تتبنى اختياراتكم، بل هي امرأة أيضاً عندما تختار الاحتشام وتتمسك بقناعاتها.
لقد غرقنا في "وحل قيمي" بامتياز، وساهمت المصالح والانتفاعية في تعميق هذا الوحل، بينما يصر بعض الغارقين فيه على تقديم أنفسهم باعتبارهم حراس الأخلاق والحرية والتنوير!
كفى متاجرة بالشعارات، وكفى وصاية على المجتمع، وكفى استعلاءً على الناس واتهامهم بالجهل لمجرد أنهم لا يتبنون وجهة نظركم.
أنتم وإلهام شاهين ومدحت العدل وأشرف زكي ومرتضى منصور لا أحد منكم يمتلك حق احتكار تمثيل مصر أو التحدث باسم شعبها، ولا أحد فوق النقد والمساءلة الأخلاقية، ولا يمنح أحداً صك براءة أو حصانة، ولا يسمح لأحد باحتكار الأخلاق أو الحرية أو التحدث باسم المجتمع.
وأختم بما قاله الراحل أحمد زكي في فيلم "ضد الحكومة":
"كلنا فاسدون".
يا للأسف... يبدو أننا لم نعد نختلف حول الفساد، بل أصبحنا نختلف فقط حول من يحق له أن يتحدث عنه، ومن نريد أن نحاسبه، ومن نريد أن نمنحه الحصانة!



محمد المغربي يكتب: اغتيال الإنتاج المستقل.. وصعود مراكز قوى تسعى للاستحواذ على السينما المصرية!
محمد المغربي يكتب: أصعب مرحلة في أي علاقة






