المخرجة سارة عبد العزيز تكتب: راضية أحمد مستشرفة الغد
ان يكون الكاتب والأديب مستشرفا للمستقبل فهذا من دواعي تميزه
وربما يعد هذا أهم الرسائل التي يحملها الكاتب .. وراضية أحمد ممن كتبن مستشرفة الغد وهذا كان واضحا في أكثر من عمل لها في مجموعاتها القصصية و بمناسبة ما نشهده هذه الأيام من قطع الأشجار واقتلاعها، ننشر هذا النص للأديبة الكبيرة راضية أحمد، الذي كتبته منذ أكثر من ثلاثين عامًا ضمن مجموعتها القصصية الأولى «حلم دافئ»، التي نُشرت للمرة الأولى عام 1996.
راضية أحمد من الأقلام اللامعة في المشهد الثقافي والأدبي المصري والعربي خلال التسعينيات وبدايات الألفية؛ فأقيمت لها الندوات واللقاءات في معرض القاهرة الدولي للكتاب، وأتيليه القاهرة، ونادي القصة وغيرها، كما نُشرت لها نصوص عديدة في كبرى الصحف والمجلات الأدبية المصرية، منها «الأهرام»، و«أخبار الأدب»، و«أدب ونقد».
ومن أعمالها «حلم دافئ»، «فرح الأوانس»، «أرحام مسكونة بالأسى»، ورواية «رائحة البلح».
«التوتة التي حاضت»
راضية أحمد من الأقلام التي يجب إعادة قراءة أعمالها اليوم وسأترككم مع نص من نصوصها المستشرفة.
التوتة التي حاضت
لم يبق شيئ منى
غير أطلال لتوتة تغنى
عندما كانت العربة تمر بنا عبر منعطف صغير وقد خلفنا وراءنا المروج والجسر بأسفلته الساخن .. أطل ساعتها برأسي لأبحث عن التوتة، عندما أشم رائحتها العتيقة أدرك بأنها لحظات وأرى جدتي والدار الكبيرة التى تبتلعها التوتة بأذرعتها الكبيرة يجىء جدى بوجهه العابس الرزين وطرف عبائته البنية لاصقة بطرف جلباب جدتى الأسود الموبر فيصدر عنه حفيف حميم إلى قلبي ... يدغدع كل حواسي ، رائحة التوتة تملأ المكان. يلتف الفلاحون حول التوتة مهللين بنا في احتفالية، وتمرق بعض المواشى أمامي في تبختر فتدوس حوافرها ورق التوت اليابس وقد بدأ خوارها يعلو وأنا أتلصص من وراء عباءة جدى إلى عيون الصبية.
اقرأ أيضاً

المصوبة إلى جدى يهش الصبية في أنفة ثم يشدنا إلى الداخل . تجي، ساعة العصارى فاختلس خلوة وأخرج من باب الدار العتيقة بمزلاجها الضخم .. أبحث عنهم وهم مختبئون وراء التوتة في تربص لصيحات جدي وجدتي، الملم الحب من فوق الأرض لأعطيه للصبية المعلقون في أذرعة التوتة فيفرون إلى ديارهم وقد انفلتت منهم حبات التوت واختلطت بروث المواشى الذي يجمعوه في وقت آخر للخبيز.
تأتي العشية وتبتلع معها كل صوت وتنفلت همهمات أحاديث من أسطح البيوت الصغيرة ويهرب الصغار من ديارهم يتسابقون في تقديم الخدمات لنا وتصيح جدتي عندما تسمعهم :
- ابعدوا عن التوتة يا ولاد الأبالسه
فيفرون مخترقون الجنينة بنخيلها الفارع العجوز وأمسك عود حطب أجرى وراءهم أتظاهر بأنى أهشهم وأنا اخترق السور المؤدى إلى الجسر والنهر لست مبالية بالجنية وأحاديث الغولة، عندما تختفى جدتي أنظر ورائي أبحث عنهم بداخل النهر وقد فروا بثيابهم يحتمون بمائه ويبحثون عن الأسماك الصغيرة التي يصطادونها بجلاليبهم ثم يفرون إلى الديار مشمرين ثيابهم مخلفين ورائهم حاجزاً من الغبار حجب عنى رؤيتهم ولم تظهر غير أقدامهم الصغيرة المبتلة وهى تفر من سخونة الأرض يجيئون بعد العشية وقد ملأوا ثيابهم بالبيض وكيزان الذره يرجون جدی استبدالها بأي شيء للطهي يمتنع جدى وهو جالس يدخن باستياء
.. أتركهم كثيرا يرجونه ثم أهم وأنزوى معهم في ركن نعقد اتفاق
، وهو في الصباح سوف ينصبون لى المرجيحة فوق التوتة ، ما اجمل هذا وأنا أعلو فوق القرية وكل شيء حولى صغير والصبية كالقطط الأليفة يتسابقون بدفعى بشدة، وعندما ننتهى من صفقتنا املأ جيوبهم بحبات التوت المخزون بدكان جدى ، فيجرون مهللين و تصيح بعض الصبية الصبية المختبؤن وراء سور الجنينة وقد امتلأ صوتهم بالغضب يطلبون توتاً ثم يجرون لاحقين برفقائهم .. لكن بدون دوى فيلتفون حولى فأختال في مشيتى وأنظر إلى النهر وقد فروا إلى قبطان يبحثون عن دوداً في الأرض يكون طعماً لسنارتي كنت وأنا صغيرة لا أعلم بأن الذى يحدث بيني وبينهم لإسعادنا جميعاً يتم بصفقة ، وكنت أراهم طيبون يحاصرهم الغلب من كل ناحية. اسرق من أجلهم من جنينة الموالح جوافة وليموناً لأملا لهم جيوبهم ، فكانوا يغرقوننا بخدماتهم التي لا تنتهى من توفير الطعم ودفعي فوق المرجيحة وصيد العصافير وربط الدبابير بخيط بطول الجسر وكان صوتها وهى تلف حول نفسها يسعدنى كان التوت حلمهم الأول لا أعلم لماذا بالرغم من أن شجر جنينة الموالح يرمى بثماره خارج السور فتخطفه
الصبية وتختفى دون عين جدتي التي يخافونها ، وجدتى جالسة أمام
شجرة التوت العجوز في تربص دائم للصبية .
كنت أنظر إليهم من فوق المرجيحة المعقودة وهم يتسابقون في دفعي فاراهم محنيو القامة صفر الوجوه وكانت وجوههم كالعجائز فاراها
مفعمة بالهموم، وكانت لعيونهم نظرات كالقطط الجائعة تملؤني بالسخط على جدى وجدتى وعلى الصبية أيضاً ، وعندما لا أفهم لماذا في بعض الأوقات لا أحبهم تملؤنى الكآبة والوحدة وأطلب من جدتي أن أرحل . لكنها تدمدم بغيظ وتطلب منى أن أقطف ليموناً لتبيعه للتاجر وأقول . في نفسى جدتى كالفلاحين تهوى الصفقات وفى الليل حلمت بالشجرة العجوز والمرجيحة والأسماك الصغيرة ، قبل رحيلی بایام جاءت جدتی وهى تفك الحبال من فوق المرجيحة وتعنفنى وهى تقول :
سوف أقطعها .. التوتة حاضت .. لن تصلح بعد الآن .
عندها بكيت ورجوتها أن تتركها
قالت الجدة وهي تزمجر :
- الا ترى الدماء .. التوته حاضت لا أعلم إن كانت جدتي صادقة ام لا ولكني عندما رأيت السائل الأحمر يسيل من خشبها المجعد وأسراب النمل وهي تلعق لحائه أنقبض قلبي وكنت ابكي في العربة وقد خلفنا ورائنا المروج الخضراء ببيوتها الصغيرة ذى المصباح الأوحد الواهن فوق جدرانها وأنا أتابع بعيني اسراب الأشجار والبيوت والضوء الواهن ، وأمط رأسي من زجاج السيارة لعلى أرى التوتة لآخر مرة .. لكنني لم أر إلا خيالات الفلاحون يرمون بأجسادهم في النهر .
كانت العصافير تحط فوق النتوءات التى فلتت من البتر .. فكانت
قدامها تنفرج في إنفلاتة وتسقط فوق الطين المبلل بماء المطر ، كان البتر كبيراً وبان السور التى كانت تخبأه التوتة قبيحاً يلطخه الطين الذي لم يفلح في سد الفتحات التي أصبحت مخبئاً للفئران يتسللون منه إلى ماكينة الطحين، كانت كتل الطين فوق التوتة المبتورة تغطى اللحاء الباقي ، وأصبحت كقبر من قبور الفلاحين الفقراء ... يتبرز الصبية ورائها وجدتى تقذفهم بالحجارة وهى تستقبلنا من جديد لقضاء أجازة
***
كان حديث المربية ام عبده لأمي وهي تقول : لقد كبرت البنت
يأخذني في نشوة يتلذذ بها جسدى وأنا جالسة أمام النهر. وأمر بأناملي فوق فستاني الجديد الذي صنع من أجل هذه المناسبة وقد ارتفع صدري قليلاً وانخرط جسدى ، كانت الأغانى وأنا أمام النهر تنقلني من طفولتي إلى شيء آخر وهى تداعب مخيلتي عن فارس الاحلام وعشق الصبايا .. وكأن أحدهم يدرك ما بداخلى وقد جلس فوق سور الجنينة يردد أغاني عبد الحليم في صوت رخيم ناعس ..ينظر ناحيتي ليتأكد بأني أسمعه واناديه ليغنى اغنيات أخرى ويقول بلغة أهل القرية ( لعبد ) وأقول وأنا خجلى انظر ناحية صدرى :
_ نعم...ويغنى عبد النعيم وتجىء اخواتي تقتسمن معى نشوتى بصوته ....
وفي الليل نهيم في الحقول ويتبعنا عبد النعيم وهو يغني وقد حمل في يده عصاته ليهش بها الكلاب ، الذئاب قد كان يقول لنا ذلك عندما نشبع من أغانيه ولا نعود نرغب فى وجوده معنا .. كان يقول وهو يصطنع حركات بهلوانية ويجرى بعيداً
أهو مشى ابن الكلب
وعندما كنت أحس بالخوف يقول :
لولا عصاتي لالتفت الذئاب حولنا
أمل من إدعائه فأطلب منه الغناء مرة أخرى ، وتمتد الليالي بنا وعبد النعيم يغنى ولكنه ينظر إلى في كل مرة نظرات ليست بريئة ولكنها جديدة بالنسبة لي
قالت أختي الكبرى وهى تضحك بسخرية :
عبد النعيم يحبك .
قلت وقد تملكني الاستياء :
_هو دا اللي ناقص.
كانت ساعات النهار طويلة وقد كان الملل بسيطر علينا ساعات ، جاء لى عبد النعيم بسنارة أكبر وكيساً من الدود ، وجلسنا فوق الجسر يضع الطعم بالسنارة ويناولنى السنارة جاهزة للصيد ، وكان هذا يحدث كل يوم في العصارى ، حتى جاء يوم واعطاني السنارة ، لكنني أشحت بيدي لشعوري بالملل من الأسماك الصغيرة التي كنا نصطادها .. عندها نظر إلى الأرض وقد ذهبت فرحته وعندما انتقلت كآبته لي ، خاف ان اتركه فاتجه إلى النهر طارحاً جلبابه بعيداً، رأيته يصارع سمكة كبيرة تلطخت يداه بالدماء وهو يرميها تحت قدمي ويقول وهو يلهث من رقد الفرحة :
هي لك
عندما حاولت إمساكها اختطفتها يد صغيرة وفرت بعيداً .. حاولت اللحاق بالصبي ولكن بدون جدوى وقد دخل داره غالقاً الباب في وجهي ولم يخرج الصبي من داره إلا بعد أن امتلأ الهواء برائحة شواء السمكة وكان عبد النعيم جالساً فوق الأرض تملأه الكآبة وهو ينظر إلى بخجل وقد انشغلت بإعطاء الفلاحين ليموناً من الجنينة فقد كانوا ينزعون قشرته وياكلونه فرحت بشجرة الليمون كما فرحت بالتوتة وأغاني عبد النعيم التي كانت تسلينى وتنعش فؤادى ونحن نسحبه ورائنا في المروج وهو يهش عنا الذئاب ويرمقني بنظرات متيمة تجعلنى أميرة أغانيه وأميرة هذه القرية برجالها ونسائها وأطفالها اللذين يلتفون حولنا لتقديم الخدمات محنيوا الرؤوس، وبصوت كالهمس نعقد صفقات ، ولكنني في تلك المرة أرفع صوتى وأنا أعطيهم الليمون ليراني عبد النعيم ويرى عطفى عليهم فيغنى من جديد وهو ينظر إلى فستاني وشعری و صدری المرتفع وصغار الفلاحين حولنا يطلبون دائماً أشياء وأشياء فهم لا يهدؤون.








