النفط يقفز 2% بعد قصف لارك.. وترامب يعلن صفقة فنزويلا التاريخية لإعادة ملء الاحتياطي الاستراتيجي
في تصعيد يضيف وقودًا جديدًا لنيران أسواق الطاقة العالمية، قفزت أسعار النفط بأكثر من 2%، عقب القصف الأمريكي الذي استهدف جزيرة لارك الإيرانية الاستراتيجية في مضيق هرمز، في أول هجوم أمريكي مباشر منذ أواخر يوليو/تموز الماضي. وبينما تتجه الأنظار نحو تداعيات هذا التصعيد على إمدادات الخام العالمية، يعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن صفقة نفطية تاريخية مع فنزويلا، تتيح لواشنطن السيطرة على أكثر من 65 مليار برميل من احتياطي النفط الفنزويلي، في خطوة تهدف إلى إعادة ملء الاحتياطي البترولي الاستراتيجي الأمريكي، الذي تراجع إلى أدنى مستوياته منذ 44 عامًا.
قصف لارك.. لماذا الآن؟ وما الأهمية الاستراتيجية للجزيرة؟
برز اسم جزيرة "لارك" الإيرانية إلى واجهة المشهد المتوتر في مضيق هرمز، عقب التصعيد العسكري المحدود الذي تمثل في استهداف القيادة المركزية الأمريكية لزوارق بحرية إيرانية جنوب الجزيرة، وفقًا لروايات غير رسمية تناقلتها وسائل إعلام إيرانية. وكشف موقع"أكسيوس" الأمريكي، نقلًا عن مسؤول في واشنطن، أن الجيش الأمريكي شن ضربات استهدفت مواقع عسكرية إيرانية في الجزيرة، للحيلولة دون نشر ألغام بحرية في مضيق هرمز، في أول هجوم أمريكي مباشر منذ أواخر يوليو/تموز الماضي.
وتكمن الإجابة عن سؤال"لماذا لارك الآن؟" في التغيير الجيوسياسي والتكتيكي الخطير الذي أجراه الحرس الثوري الإيراني على الأرض. فبحسب تحليل الخرائط التفاعلية لحركة الملاحة، كان المسار الطبيعي للسفن التجارية العابرة لمضيق هرمز يمر بسلاسة بين جزيرة"لارك" والأراضي العُمانية. لكن، ومع تصاعد الأزمة، عمدت القوات الإيرانية إلى إجبار السفن على تغيير مسارها لتعبر في ممرات ضيقة جدًا بين ثلاث جزر إيرانية هي مضيق هرمز وجزيرة قشم وجزيرة لارك. وأخرج هذا التعديل الإجباري"لارك" من كونها مجرد جزيرة هامشية، لتصبح في قلب المعادلة وجزيرة أساسية تطل مباشرة على حركة السفن ذهابًا وإيابًا.
وأكد الحرس الثوري الإيراني وقوع الاستهداف، ووصفه في بيان جديد بـ"العمل العدواني" الذي نفذه"الخصم الأمريكي الصهيوني"، مشددًا على أن القوات الإيرانية سترد بحازمية لينال المعتدي جزاءه. وتشير تقارير أولية عن مقتل شخصين وإصابة اثنين جراء القصف الأمريكي لمنصتي إطلاق إيرانيتين بطائرة مسيرة.
النفط يقفز.. ومخاوف من "أكبر اضطراب في الإمدادات"
قفزت أسعار النفط العالمية بأكثر من 2% خلال تعاملات اليوم الاثنين، بعد تعثر الجهود الرامية إلى استئناف محادثات السلام بشأن الحرب، مع بقاء مضيق هرمز الحيوي مغلقًا فعليًا، ما مدد موجة الصعود في أسواق الخام. ويأتي هذا الارتفاع في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية في منطقة الخليج، وسط مخاوف الأسواق من تداعيات أي تطورات عسكرية جديدة على حركة إمدادات النفط عبر المضيق، أحد أهم الممرات العالمية لنقل الخام.
وتشير التقديرات إلى أن مضيق هرمز يمر عبره نحو 20% من إجمالي النفط والغاز الطبيعي المسال المتداول عالميًا يوميًا. ومع تصاعد الحرب، تجاوزت أسواق الطاقة العالمية مرحلة"علاوة المخاطر الجيوسياسية" لتدخل مرحلة أكثر خطورة وصفتها وكالة الطاقة الدولية بأنها"أكبر اضطراب في الإمدادات بتاريخ سوق النفط العالمية". فقد قفز خام برنت، المعيار العالمي لأسعار النفط، إلى نحو 120 دولارًا للبرميل، قبل أن يستقر فوق 100 دولار، وذلك خلال الأسبوع الأول من الحرب، مع تراجعات محدودة إلى نطاق التسعينيات، مسجلًا مكاسب تراكمية تتجاوز 40 في المئة مقارنة بمستوياته قبل الحرب.
ترامب يفتح جبهة فنزويلا.. صفقة تاريخية بـ65 مليار برميل
في خطوة غير مسبوقة، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن إبرام صفقة ضخمة مع فنزويلا، تتيح للولايات المتحدة السيطرة على أكثر من 65 مليار برميل من احتياطي النفط الفنزويلي، عبر شراكة مع شركات خاصة، في صفقة تهدف لخفض أسعار الوقود وإعادة ملء الاحتياطي البترولي الاستراتيجي الأمريكي. وقال ترامب في منشور عبر وسائل التواصل الاجتماعي، إن عملية الوصول إلى الحد الأقصى ستبدأ قريبًا، واصفًا النفط الفنزويلي بأنه"هدية من فنزويلا إلى شعب الولايات المتحدة".
وأكد ترامب أن الصفقة ستضاعف احتياطيات النفط الأميركية وتوفر إمدادات إضافية، بما ينعكس على أسعار البنزين محليًا ويمنح فنزويلا فرصة "للنجاح". كما قال وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، بعد وقت قصير من إعلان ترامب، إن الاتفاق"سيجلب للشعب الفنزويلي استثمارات خاصة تقترب قيمتها من 100 مليار دولار، ويدعم آلاف الوظائف". وتهدف الصفقة، التي أعلن عنها ترامب يوم الجمعة، إلى إنعاش صناعة النفط الفنزويلية المتضررة، إلا أن زيادة الإنتاج بشكل ملحوظ ستتطلب استثمارات كبيرة وأعمالًا ضخمة في البنية التحتية.
الاحتياطي الاستراتيجي.. أدنى مستوى منذ 44 عامًا
بلغ مخزون الاحتياطي البترولي الاستراتيجي الأمريكي نحو 290 مليون برميل حتى 21 أغسطس، وهو مستوى يقترب من أدنى مستوى له منذ 44 عامًا. وجاء ذلك بعدما خفضت الولايات المتحدة مخزونها خلال إدارتي جو بايدن ودونالد ترامب استجابة لاضطرابات إمدادات الطاقة العالمية، بما في ذلك الغزو الروسي لأوكرانيا والصراع مع إيران. ويمثل فقدان نحو 3 ملايين برميل يوميًا من الإنتاج الإيراني، نتيجة الحرب وإغلاق مضيق هرمز، أكبر انخفاض في الإنتاج لأي دولة نتيجة الحرب.
قراءة تحليلية.. هل تنجح الصفقة الفنزويلية في تهدئة الأسواق؟
يرى محللون أن ضرب جزيرة خارك، التي تقوم بمعالجة نحو 90% من صادرات إيران من النفط الخام، "محفوف بالمخاطر"، محذرين من أن تدمير البنية التحتية النفطية في الجزيرة قد يدفع إيران إلى ضرب منشآت إقليمية، ويرفع أسعار النفط لفترة أطول. وقال المتخصص في سياسات الطاقة والجغرافيا السياسية نيل كويليام:"إذا تم استهداف أو تدمير المحطة (تصدير النفط)، فإن فقدان 1.3 مليون برميل يوميًا (90% من صادرات إيران) سيضع السوق تحت ضغط هائل".
بالمقابل، اعتبر المتخصص في مجال الطاقة أنس حجي أن تصريحات ترامب بشأن ضرب مواقع عسكرية في جزيرة خارك الإيرانية مبالغ فيها بشكل واضح، مشيرًا إلى أن البنية التحتية النفطية الإيرانية"مرنة ومعدة مسبقًا" لمثل هذه الضربات. وذهب إلى أن الضرر الفعلي الذي سيلحق بقدرة تصدير النفط الإيرانية سيكون محدودًا، مضيفًا:"إيران طيلة فترة الحرب تحمل النفط من جزيرة خارك… وتصدر النفط من مضيق هرمز. ترامب يعرف ذلك، ويريد أن تستمر هذه الصادرات".
خلاصة المشهد
يجمع المحللون على أن أسواق الطاقة العالمية تقف على حافة الهاوية، مع تصاعد الحرب في الشرق الأوسط وإغلاق مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو خمس الإمدادات العالمية من النفط والغاز. وبينما تحاول واشنطن جاهدة تعويض النقص عبر الصفقة الفنزويلية التاريخية، تظل الأسواق رهينة التطورات الميدانية في مضيق هرمز، وقدرة الأطراف المتصارعة على احتواء التصعيد قبل أن تتحول الأزمة إلى كارثة طاقة عالمية شاملة.








