كشف أثري مصري في سقارة: مقبرة «سخنتيو-بتاح» وألقاب الحاجب الملكي تكشف أسرار الدولة القديمة
في مشهد يليق بعظمة الحضارة المصرية، أزاحت البعثة الأثرية المصرية العاملة بجبانة البوباسطيون في سقارة الستار عن واحد من أهم اكتشافات الموسم الأول للحفائر، حيث كشفت عن مقبرة تعود لعصر الدولة القديمة لصاحبها «سخنتيو-بتاح»، إلى جانب منظومة متكاملة من آبار الدفن واللقى الأثرية النادرة التي تعيد رسم ملامح الحياة الجنائزية في مصر القديمة، وتؤكد أن الرمال المصرية ما زالت تحتفظ بأسرارها.
هذا الكشف ليس مجرد إضافة أثرية جديدة، بل هو شهادة حية على عظمة الدولة القديمة وإدارتها المحكمة، وقصة جديدة تُروى من قلب الجبانة التي شهدت استخدامًا متواصلًا عبر عصور تاريخية متعاقبة.
مقبرة تحمل ألقابًا تكشف عن جهاز إداري عريق
ما إن أزاحت البعثة الرمال عن المقصورة الجنائزية لمقبرة «سخنتيو-بتاح»، حتى كانت المفاجأة الأولى ببقاء الباب الوهمي في موضعه الأصلي، ليعثر أمامه على مجموعة متكاملة من أدوات الطقوس الجنائزية المصنوعة من الألباستر، تضم مائدة وقرصًا للقرابين، وحوضًا للتطهير، وإبريقًا وطستًا، وجميعها تحمل نقوشًا هيروغليفية باسم صاحب المقبرة وألقابه، وهو ما وصفه محمد عبد البديع رئيس قطاع الآثار المصرية بأنه كشف مهم يتيح معلومات ثرية حول الطقوس والممارسات الجنائزية خلال عصر الدولة القديمة.

ألقاب تعكس مكانة إدارية مرموقة
لم تكن النقوش الهيروغليفية مجرد زخارف، بل كانت سجلًا إداريًا حقيقيًا، إذ مكّنت من تحديد اسم صاحب المقبرة وعدد من ألقابه، من بينها الحاجب الملكي، والمشرف على جميع أعمال الملك، والمشرف على الوثائق الملكية، والقائم على أسرار الأوامر الملكية، وكاهن المعبودة ماعت، والمشرف على الكتبة، وهي ألقاب تعكس المكانة الإدارية المرموقة التي كان يشغلها في الجهاز الإداري للدولة القديمة، وتكشف عن مدى التنظيم الإداري الدقيق الذي كانت تعمل به الدولة المصرية القديمة، حيث كان المسؤولون يجمعون بين السلطة الدينية والإدارية في آن واحد، وهو ما يفسر استقرار الدولة واستمرارها لقرون طويلة.
منظومة آبار الدفن.. كنوز لم تنل منها يد الزمن
لم يقتصر الكشف على المقبرة فقط، بل كشفت البعثة عن منظومة مترابطة من آبار الدفن، ضمت العديد من الدفنات الآدمية، وكميات كبيرة من الكرتوناج الجنائزي الملون، وأكثر من مائة تمثال أوشابتي من الفيانس، بالإضافة إلى ثلاثة توابيت حجرية عُثر عليها وهي مغلقة في حالتها الأصلية، وتمثال خشبي على هيئة صقر، إلى جانب مجموعة متنوعة من الأواني الفخارية واللقى الأثرية، وهو ما يوفر مادة علمية ثرية لدراسة الطقوس الجنائزية وأساليب الدفن خلال العصر المتأخر، فضلًا عن إمكانية تتبع مراحل إعادة استخدام الجبانة خلال الفترات التاريخية المختلفة، وفق ما أكده الدكتور عمرو الطيبي مدير عام منطقة آثار سقارة ورئيس البعثة.

نهب قديم.. لكن القيمة العلمية باقية
أظهرت الدراسات الأولية أن عددًا من آبار الدفن تعرض لعمليات نهب منذ العصور القديمة، وهو ما تؤكده الفتحات التي أحدثها لصوص المقابر بين الحجرات الجنائزية، ومع ذلك، لا تزال المكتشفات المتبقية تحتفظ بقيمة أثرية وعلمية كبيرة، من شأنها الإسهام في فهم التخطيط الداخلي للموقع وتطور عمارته ومراحله التاريخية المتعاقبة، وهو ما يعكس أهمية الموقع الذي ظل محط أنظار المصريين القدماء عبر عصور مختلفة، من الدولة القديمة حتى العصر المتأخر.
برنامج علمي متكامل.. ومؤشرات واعدة بالمزيد
أكد الدكتور هشام الليثي الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار أن أعمال الحفائر تمت وفقًا لبرنامج علمي متكامل شمل أعمال الحفر الدقيق والتسجيل الطبقي، والتوثيق المعماري والفوتوغرافي والرقمي، إلى جانب الدراسات الأثرية واللغوية والمقارنات العلمية، بما أسهم في قراءة المكتشفات في سياقها الحضاري وإعادة تتبع التطور التاريخي والمعماري للجبانة، فيما أشار شريف فتحي وزير السياحة والآثار إلى أن هذا الكشف يمثل إضافة علمية مهمة لفهم تاريخ الموقع وتطوره، وتؤكد أهمية مواصلة أعمال الحفائر والدراسة العلمية به، في ظل مؤشرات واعدة بالكشف عن المزيد من المنشآت واللقى الأثرية، بما يسهم في استكمال توثيق تاريخ جبانة البوباسطيون وتعزيز مكانتها باعتبارها أحد أهم المواقع الأثرية متعددة العصور في مصر.

وتواصل البعثة أعمال التوثيق والتحليل والدراسة والمقارنة العلمية للمكتشفات مع نظائرها من المواقع الأثرية المختلفة، تمهيدًا لاستكمال الدراسات ونشر نتائجها في دوريات علمية محكمة ومتخصصة، بما يتيحها للمجتمع العلمي وفق المعايير الأكاديمية المتبعة، وهو ما يفتح الباب أمام مزيد من الأسئلة حول تاريخ هذه الجبانة العريقة، التي ما زالت تحتفظ بالكثير من أسرارها التي تنتظر من يكشفها.








