هالة فهمي تكتب: من سرق الأسكندرية .. من يسرق أحلامنا !!
عندما ذهبت للأسكندرية مؤخرا لم تبهجني كما كان يحدث لي على مدار سنوات عمري منذ الطفولة وحتى الأن .
لقد شعرت بأنها مدينة تم تقبيحها عن قصد .. تم سرقة أجمل ما فيها .. كورنيش بحرها الذي أمتدت له يد المال الغاشمة فألقت ألسنتها داخل البحر وأقامت عليه مئات المقاهي ..الكافتريات والمطاعم .. كلها أماكن قبحت شكل البحر .. قتلت رونقه فأصبح خاملا هامدا وكأنه فقد شغفه للحياة .
فخطوات العاشعقين تختفي من فوق رماله الناعمة .. وضحكات القلوب خفتت راحلة .. فلمن يضحك البحر إذن .. لمن يرسل الموجة تجري وراء الموجة ؟!
إن حزن البحر تحول لعدوى انتقلت سريعا للمارة وللحالمين به .. فلم يعد إليه ثانية إلا من معه المال .
بطول البحر كافتريات تحمل اسماء أجنبية وبين كل سلسلة مقاه وأخرى تجد القليل من الأمتار للعادين من البشر .. قطعة مهملة من الكورنيش كأنها تقف عاجزة حزينة بجوار مقاهي أجنبية غريبة على تراثنا وطبيعتنا وأخلاقنا أيضا .
الضيق والحزن والقهر سكنوا قلوب عشاقك يا ماريا !!
وذات يوم قرأت بوستا ساخرا من صفحة الكاتبة السكندرية الجميلة أمال الشاذلي تقول :
أطالب بتخصيص شاطيء لأهل الأسكندرية فقط .. مثلما تم تخصيص نوادي شاطئية للمهندسين والأطباء والمعلمين ( ابن الجيهه أولى بيها !!).
سخرية مرة لأهل الأسكندرية الذي يعد البحر من أهم وسائل سعادتهم .. فمن الذي سرق كل هذا ؟! حتى أنهم يختصرون بلدهم في شاطئ بعد سرقة مدينتهم البهية الماريا !!
هل سرقتها المحليات التي أغمضت عيونها عمن حولوا الأرصفة لصالات مفتوحة وأمتدت كراسيها لنهر الشارع .. أم سرقها ذلك الذي فرض على كل من يرغب في التمتع بالبحر أن يدفع للفرد مائة أو مائتي من الجنيهات حد أدني للدخول.. على اعتبار أن البحر رفاهية للقادرين فقط وليس حق كفله الله للجميع هواء مجاني لخلقه .. سرقها من وضع رؤية البحر في مزاد علني !!
متى ولماذا حدث هذا في غفلة منا ومن أهلها ؟
الأسكندرية لم تكن يوما للأغنياء فقط .. الأسكندرية مدينة العامل والموظف الصياد والفلاح يذهبون للشاطئ بأكلهم وترمس الشاي والراديو .. يرمون المشاكل في بحرهم ويعودون سعداء يحملون عواماتهم وفوطهم عابرون الطريق لشقق مؤجرة .. كانت على ضيقها تسع سعادتهم مهما كان عددهم .. الموج صوته مجاني وشقاوته للجميع .. من الذي وضع حد أدني للفاتورة تتجاوز مرتب الموظف في أسبوع واحيانا مرتبه في شهر !!
من ألغى صوت البحر بتلك السماعات القبيحة التي تحمل صخب يزعج البحر قبل أن يزعجنا .. أين صوت فيروز .. شط أسكندرية ولا أم كلثوم والجلوس على سور الكورنيش نأكل الذرة واللب وننتظر شروق الشمس أو نودعها غاربة .. لتعود في الغد للأسكندرية مدينة العشاق .
لا أرفض الأستثمار الرحيم .. لكني أرفضه بشدة حين يقسم شعبنا لفئات قادرة وغير قادرة .. فئة تقدر على إيجار البحر أو إمتلاكه وفئة تتحسر عما فات .. أرفضه بشدة حين يكون على إزهاق أنفاس أمواجه الحرة .
الأسكندرية ليست للبيع ولا لسرقة تاريخها ومجدها كمدينة حرة تتمشى على البحر حافية القدمين شعرها يشتبك مع أشعة الشمس .. من فعل بها هذا ؟
من قتلها .. وهل تنفع معها قبلة للحياة ؟!
نعم .. حين نعيد للفقير حقه فيها ..حين تعود ضحكات القلوب وخطوات العاشقين .. حين تعود الأرصفة حرة والشواطئ حرة وأهلها أحرارا وليسوا أسرى للغرباء فيها .. حين يعيدون إلينا ذاكرتنا ونحن صغارا نمضي على رملها من التاسعة صباحا وحتى المغرب .
أعيدوا لنا الأسكندرية إعادة كاملة دائمة فغير مقبول منح تصريحات لمبان على الكورنيش تزال بقرار وتعود بقرار .. نحتاج لقرار موحد ودائم فالأسكندرية مدينة تراثية لا يجب تغريبها ولا بيعها .. ففي هذه الأيام تزال أماكن أقيمت بتصريح مسئول حجب البحر وأبتزت منشأته جيب المواطن .. اليوم تزال بتصريح لموظف آخر بحجة إعادة البحر !!
السؤال هل مثل هذه الأفعال تخضع لمزاج محافظ أو موظف ؟!
تاريخنا ليس لعبة أوطاننا ليست ملك أفراد خاصة البحر والنيل والشمس والقمر وأحلامنا وذكرياتنا .
أعيدوا لنا شط الأسكندرية لأولادنا واحفادنا .. دعونا نعيش ولا تسرقوا أحلامنا .






