محمد محمود الفخراني يكتب: هاله فهمي بين الهذيان واستئناس الهوس
لم أرد بهذا العنوان أن أكتب عن لقاء الروائية والصحفية الجريئة هاله فهمي مع رائد التجريب محمد حافظ رجب الذي قال عنه أدباء جيله ( مبدع الهذيان ) والذي ذكره قاموس اكسفورد كأهم مجدد في القصة القصيرة في النصف الثاني من القرن العشرين، والذي بحثت عن أعماله السفارة الفرنسية بالقاهرة، و قد أبلغني الكاتب الروائي إبراهيم عبدالمجيد أن السفارة الفرنسية تري أن أعماله تكشف عن قدرات تخيلية فائقة ، وتعبير حي عن بديهة لماحة وتصوير بارع. وأنا لم أرد بهذا العنوان أن أتناول هذا اللقاء بين الصحفية هاله فهمي ومحمد حافظ رجب كأهم مجدد في فن القصة القصيرة.
ولكنني سعدت بهذا اللقاء أيما سعادة لأن هاله فهمي ستكشف عن المشاعر السرية لهذا الفنان وستسبر أغوار الحدس / والحس / و مراودة السحر
وكانت سعادتي تتلخص أن هاله فهمي عاشت تجربة آنا كارنينا و رؤياها المضيئة في طريقها إلي الموت، وتجربة أيما بوفاري ودورثيا بروك، وعرفت النجاح والخيانة والإحباط، وعرفت دقائق النفس البشرية مع أوليفر تويست : قلت في نفسي بهذه الخبرات هي قادرة علي الكشف عن الظلال المتشابكة لحياة هذا المجدد الكبير.
اقرأ أيضاً
وحين ألتقته في منزله الصغير الهادئ في حي الورديان الشعبي بالإسكندرية بأزقته المتشابكة، أيقنت هاله أن محاولة العودة ستكون مستحيلة، فقد مضت باتجاهات ذات اليمين وذات اليسار وخاصة أنها ليس لديها موهبة حفظ الأمكنة وأستقبلها الفنان بعيون متعبة مثقلة بعذابات الماضي كانت عيناه غيمتين مضببتين، وكأنما جفت مآقيه، وبدا قلبه ينزف تعباً.
واستطردت هاله فهمي:
في اللحظة الأولي التي تطأ قدماك حي الورديان ينفجر العالم في وجهك كلوحة فنية رسمها فنان يستحضر حالة إبداعية استثنائية كحالة محمد حافظ رجب.
وما تزال الكاميرا عند الروائية هاله فهمي :
لم يكن محمد حافظ رجب يعبر عن البيئة الشعبية تعبيراً تصويرياً فقد كان يعيشها بتفاصيلها كحالة وجودية. وهو الحي الذي ظل يسكنه طوال حياته حيث الحكايا الشفاهية التي تحكي عن آثار عامود السواري ومعبد السيرابيوم القريب من الحي.
وحيث الخرافة تتداخل مع الواقع اليومي وهكذا تشكل وعي محمد حافظ رجب التجريبي الذي وضعنا أمام منظور خاص فاللغة مع كونها مألوفة، ولكنها تظل في لاوعي الفنان الذي استسلم لنوع من الخيال الدكتاتوري أسلمه في النهاية لتعويذاته السردية التي لا تزال تمارس سحرها والتي عبرت بجلاء عن تجربة ما فوق الواقع التي اعتمدت قضايا هامة : اليأس/ الغربة/ الانسحاب/ الرفض/ الغموض.
وماتزال الكاميرا بيد هاله فهمي التي تعرض بإلحاح وصلابة أن اعتماد محمد حافظ رجب لكسر حاجز الألفة اللغوية، لإبقاء المتلقي علي درجة عالية من الوعي أثناء تلقيه للغرائبية السردية. التي تشكل ملاذاً بعيداً عن تعقيدات العالم فالتجريب عنده صرخة هادرة وفاتنة في آن في وجه التأزم الحاصل بين الإنسان والعالم، وهو درب فني فائق من كتابة الحواس، ولحظة تأويل قد تتستر بما تسميه نالتالي ساروت بالخفاء المعلن. وهذا التصوير يمكن أن تختبره في واحدة من قصص محمد حافظ رجب : ( مخلوقات براد الشاي المغلي ) ، ( برهوته والحمار المهموم ).
تبدأ القصة هكذا العربات تهالكت. استندت في استكانة حول بعضها وتثاءبت. بجانبها .. وقفت الحمير غير عابئة بها انتهت علاقتها بها: بعد لحظة انتقل إليها التثاؤب أصبح المصير واحداً في وسط الحمير .. حمار يبدو عليه الهم .. غارق في الذهول إلي حد الألم. في الخامسة .. والدنيا يخنقها الحر ظهر (برهوته) في حارة الحمير.. فارتعد الحمار المهموم .. برهوته مضمد الجراح .. الشاش والقطن مزروعة حول عنقه. خلف برهوته صبيان وبنات.. مع برهوته طبلة ترم .. ترم .. ترم .. صاح برهوتة: أجدع واحد ييجي ترم .. ترم .. ترم.
إن من يقرأ محمد حافظ رجب يدرك أنه يأسر المساحات التي لا حد لها في قدم مربع من الورق وييسكب طوفاناً من القلب الموجوع بقدر فدان من السخرية التي تستبطن سرده.
إنني استشعره في حالة إبداعه لهذه القصة كمن ينتظر رمزاً ينبع من أعماق لا واعية بلا معونة ولا استجلاب. فالقصة عنده حدث سري منعزل عما سواه ولا تثير إلا منغصات مأزومة أو صرخة منغومة تنطلق من جوف ظلمة.. المشهد ساخر وسخريته تتأتي من أنسنة الحيوان وصورة العربات والحمير.. ولك أن تتصور وما تزال الكاميرا عند هاله فهمي وهي تصور الاستكانة والتثاؤب وعدم الإكتراث.. إن الوجود في هذه القصة مستمد من اللا وجود. والموسيقي التي تحتويها القصة تنبثق من الصمت وأن الجمل تتالي في بعثرة: تثاؤب الحمير.. حمار يعاني هماً و ذهولاً.. يرتعد عند ظهور برهوته كلها مشخصات غير إنسانية في المشهد أنسنها وشخصها الكاتب فجعل العين تراها علي نحو جديد. عربة متهالكة وحمار لا يكاد يثير الإهتمام ولا نلتفت إليه إنه وجود مستمد من اللا وجود والموسيقي التي تحتويها القصة رغم اللا وجود تتسارع مع صمت العالم ومع ما كان خلواً من المعني ليضطره ليصبح ذا معني ويضفي علينا ما يسمي بجرس الألفاظ الذي له سيطرة بالغة علي الحواس ونحن لا نقرأ لكثير من الكتاب لا لشئ إلا لأن موسيقاهم لا تتفق وموسيقانا بحسب رأي سان سانس ( من المستحيل أن نتحدث بغير أن نغني لا في الشعر فحسب بل في النثر. وما إن ترفع صوتك حتي تستثيرك عاطفة فتأخذ في الإنشاد وإذ بك ترتجل دون أن تشعر نشيداً تتخلله أجزاء من ألحان هذه هي موسيقي اللغة والمشهد اللغوي بحسب رأي هاله يضع كائنات لا نلتفت إليها في بؤرة الضوء، ويجعل الإدراك الفني يؤنسها .. وها هو ظهور برهوته يغير طبيعة المشهد الصامتة ويبدد السكون فهو يظهر مصحوباً بضجة مسموعة، حرص النص أن يورد صوت الطبلة وكأنها موسيقي تصويرية تصاحب ظهور برهوته فيحدث إنقلاباً حسياً في المشهد .. ظهر برهوته وكأنه ينوي شراً .. والأولاد يتحدونه :
برهوته مات يا عيني عليه .. أكله الحمار يا عيني عليه .. صرخ الحمار الحزين: يا حمير أنا لم آكله. و ما يقوله الأولاد مربك فهم يقولون برهوته مات وهم ورائه .. والحمار يستنكر قولهم وينفي أنه قد أكل برهوته لأنه يخشي الموسي المسخرة في يده .. يوافق هذا كله تساؤل من القاتل و من المقتول.. وتنهض الأسئلة ولكن الراوي الغائب يشرح ما غُمض وهو أن برهوته ملئ كوزاً من السبرتو و أخر عسلاً ومن هنا يختلط الخيال بعمل الحواس. خرج برهوته علي هذا الحال قاصداً الحمار:
كره هذا الحمار النضر ..وهذه النضارة سر عذابه في الدنيا سر الكوزين .. و المشي فوق أسلاك النور في النهار .. والمشي تحت الأسلاك في الليل وهو يترنح : أنا جدع .. لكن المغص حاد في الكُلي .. والتراب ملئ عنينه .. والرجال يسكبون جرادل الماء فوق الرأس.
بإمكاننا أن نفسر ما يحدث في الأحياء الشعبية .. فالقصة أسرت فيها الناس والحيوان في واقع مهمش نعرفه ويظل التساؤل الحائر هل عذاب برهوته كان بسبب خنوع الحمار وخضوعه وأنه لا يملك من أمره شيئاً. كلنا عُرضة لهذه الماسوكية حتي أننا لا نتعرف عن سر هذا العذاب .. ولكن برهوته يخبرنا أنه يكره هذا الحمار النضر ربما يكرهه لنضارته أو أنه يحسده لأنه ينعم بحال أفضل من حاله. المهم أن إدراك برهوته للحمار ليس الإدراك الظاهري من إنسان لحيوان بل إنه يجسد بؤس برهوته .. هذا البؤس الذي يحمله طي إهابه كالمرض .. كقرحة لا تميت ولا تندمل، أو ربما برهوته يتلذذ بهذا العذاب ثم أن برهوته يشعر أحياناً بالسعادة وهو يحمل كوزين في أحدهما عسل وفي الأخر سبرتو في الأول يجد لذته وفي الثاني ألم وهروب من واقع أكثر ألماً .. والحمار يدرك كيف يفكر برهوته، ويفهم أنه معرض للقتل، ويعلم أن برهوته يحسده ويكرهه، حتي صار الخوف بالنسبة للحمار جزءاً من كيانه يعايش القلب كأنه حزن مقيم. وفي لحظة إنفعال أخبر برهوته أمه التي تظهر لأول مرة إنه ذاهب لقتل الحمار حتي يضع حداً لعذابه .. وأمه صامتة لا تملك جواباً ولا تعترض أسرعت لا تلوي علي شئ وتوجهت إلي جدار أم بطة المجاور لبيتها .. وبحسب قول هاله هناك كانت حزمة من بقايا الشمس ملقاه بلا عناية .. مسنودة إلي الجدار إستندت هي الأخري عليه.
أخر مرة رأته فيها .. منذ كام سنة ؟ .. لا تتذكر أحياناً تتذكر ملامح باهتة منه.
كان برهوته يحمل حقداً في قلبه ولا يجد ظلاً يحتمي به والثأر في قلبه لا يستكين إلا ليُهيج ولابد من قتل الحمار .. أخيراً يحمله رجلان ويتركونه في الكوخ بجوار أمه المسافرة في بلد بعيد لا يركب الناس فيه الجمال
هذه الأم وردت بشكل عابر تجعلنا نتأمل هل هي حية؟ وإن كانت حية وتملأ الدنيا حبوراً وحزناً .. فأين هي من المآسي التي تحيط بولدها برهوته النص يخبرنا أنها مسافرة وتحيا في بلد لا يركب الناس فيها الجمال .. حتي حين داس الجمل علي قلبه أستصخر أمه التي يجب أن تكون ملاذاً فلم تستصخره هذه تساؤلات تجعلنا نسرح بأخيلة لا أول لها ولا آخر وهي غير مكترثة غير عابئة وتستند علي حزمة من بقايا الشمس ملقاه بلا عناية ونحن ندرك يقيناً أن بقايا حزمة الشمس لا تمكنها أن تسند أحداً ومن هنا فنحن نفترض أنها تحيا مع برهوته في خياله وأن أحاسيسه تختلط بالسُكر فهو يري أمه وجوداً حسياً مباشراً والنص لا يقطع باليقين إن كانت حية أو ميتة .. ومن هنا يمكننا القول أن حافظ رجب يسيطر علي آلات الخيال و آلة الحس في آن والمهم أن الأم تشارك ابنها في وحدته أو قل في غربته وانشطار روحه وتشظيها فلعنة واحدة هي أوجع اللعنات : لعنة الغربة وأنت بين أهليك ومهما كانت الغربة موجعة فإنها قد تكون مصدراً للآمال غير المنظومة التي تهدر دوماً في النفس علي غير إنتظار.. فالأم رغم غياب ابنها بالسُكر في مدي إدراكه وفي أفق حواسه المشوشة. ولهذا أعطي حافظ رجب أهمية كبري للتشوش الذي يستجلب بالسُكر والخدر ليجبرنا علي محاولة فك مغاليق التجربة الحسية.
إن المرء يقف مذهولاً أمام هذه الرؤيا التي تنطلق من حدود المرئي نحو اللا مرئي.
هل فن القص السريالي حقاً بحر يدفع أخيراً بمن يسلم نفسه إليه تاركاً إياه عرضة لهدير الموج والغرق أم يدفعه إلي الشاطئ، طارحاً إياه إلي عالم ما وراء العالم أو إلي عالم ضد العالم.
المهم في النهاية أن الفحام صاحب الحمار سيقاتل من أجل حماره ولم يكتفي الفحام وهو يشهر مديته في وجه برهوته : رفعها إلي بطن الهواء .. أهوي بها فوق عنق برهوته .. فتح فيه فجوة خرج منها دخان كثيف : رائحته عسل محترق .. وسبرتو غلي داخل قدر.
سقط برهوته علي الأرض تحامل علي نفسه حمل الرأس سار بها إلي أمه .. من خلفه سارت قطارات الدماء رسمت خط أحمر من لهيب ..
وعلينا ألا نتعجل الحكم فنقول إن برهوته حقق رغبته بقتل الحمار وأن الأم حية تنتظره لتطبخ رأس الحمار بالقدر .. لا تتعجل فبعد قليل سوف نري الفحام يحمل برهوته ويلهبه بسوطه هنا سندرك أن برهوته لم يذبح الحمار وأننا أمام خلط جديد بين الواقع والمتخيل.
نحن نُقر دوماً أن الواقع لم يكم أبداً بمعزل عن عالمنا الداخلي ونشهد أن عالمنا الباطني ليس بمعزل عن عالمنا التخيلي .. العالمان مختلطان منذ البدء وطوال الوقت.
محمد حافظ رجب غامر حين قدم لنا كتابة الحواس التي تُعد إتجاه فريد في الكتابة القصصية التي يكتنفها الغرائبية التي تقرع الوجدان كي ننتبه إلي آلام الإنسان. وقد أشار البعض إلي تأثر محمد حافظ رجب بالرسامين ما بعد الانطباعيين فان جوخ ومايتس وبابلو بيكاسو في ميدان التصوير، وربما جاء بعد ثورة فرجينيا وولف وأرنولد بينيت وهؤلاء جميعاً لعب هنري برجسون في وجدانهم والفليسوف الأمريكي ويليام جيمس وربما تابعت رواية الموج لفرجينيا وولف وغيرها من أصحاب الشعور فهل كانت البرجوسينية بما يتعلق بنظرية المعرفة هي السبيل لكي نغوص في طيات الواقع وأن هذا الحدث البرجسوني ليس مضاداً للعقل إذ عن طريقيه تستطيع النفس أن ترتد إلي ذاتها وتنعكس علي حياتها الباطنة.
وتتساءل هاله فهمي وقد زارته حيث بدأ عليه الإنهيار الجسدي هل هذه المعاناة هي السر وراء طرحه موقفاً شاملاً له أساس وجداني يري فيها الحياة محيرة ومرعبة تداهمه بوحشية صرخة العوز وهو يكافح شرايينه التي لم تعد تحتمل صرخة الحياة. وهل كان يترنح تحت سطوة عدمية شيجالوف الشخصية المحوارية لدستويفسكي في الممسوسين وبرغم هذه العدمية تتنازعه شهوة الحياة وشهوة الموت وهما يتحدان للدفع به نحو التمرد الذي أورثه شعوراً بأن كل ما في الحياة يتهدده. وأنه مطوق بالتجاهل من قبل وزارة الثقافة وظل يكافح هذا اليأس للهروب من الموت الذي يشع أمام عينيه كليل مديد نجومه تتساقط وتنطفئ.
وتجفل هاله فهمي وهي تراه علي هذه الحالة وتعيش ألمه ولحظات حزنه وتقول :
كان الموت ويطل من عينيه حين مد يده المرتعشة مصافحاً وأنا أغادره.
نظرت في عينيه نظرات مسروقة كان يحاول أن يخفي إرتجافه الداخلي وغادرته هاله فهمي وهي تجر ظله من خلفها .. وظلت خيوط الدهشة وكأنها تطوقها ولا سبيل للفكاك منها ولكنها أدركت أنه كان يحاول إقتحام الموت قبل أن يقتحمه.
حينئذ تذكرت قول الشاعر
كفوا لسان المراثي إنه ترف عن سائر الموت هذا الموت يختلف
وضمدوا النخل سبعاً
إنه زمن للحرب لا يرفع فيه السعف.






