وفاء أنور تكتب: أنا وكرنبة وماما فاطمة
ربما تكون تلك الذكريات التي مرت بخاطري الآن هى الأكثر إيلامًا لقلبي، فأنا كنت منوطة بتحقيق حلم لا يستهويني، وبتحقيق هدف لا يمثلني، رغبة حققتها رغمًا عني فهى لم تكن رغبتي أنا، بل رغبة والدي الذي اختار لي مجال التدريس للدراسة والعمل، فهو من وجهة نظره الأفضل للبنت والمرأة، لذا فقد قام بدفعي نحو طريق لا يعبر عني، لا يرضي طموحاتي، وبما أن الاستسلام لم يكن يومًا طبعي، فالتأقلم كان يواجه تمردًا وحربًا شديدة بداخلي.
كنت في العشرين من عمري لكني كنت أعيش بعمر سنوات أقل كثيرًا من هذا الرقم، لا تمثلني عدد سنواته بل كانت كلما ازدادت تؤرقني، كنت أواظب على مشاهدة برامج الأطفال، أتابع مجهود هؤلاء الذين هونوا علي متاعب دراستي ومن بعدها هموم وظيفتي، فكم أديت دورًا يشبه دورهن، وكم وجدت نفسي أجسد طريقتهن وأنا لا أدري.
جذبني دور مذيعة برامج الأطفال في العموم، صادقت العرائس التي كانت تظهر مع كل واحدة منهن كي تجسد دورًا يساعد على تعديل سلوك غير مناسب، صفة مذمومة لا يجب أن تبقى أو تنتشر بين جيل سوف يمثل في الغد بلده مصر، كان حبي لوطني يشغلني منذ صغري، كان يحركني ويسكن بقلبي وهذا ما خفف من حجم معاناتي، جعلني أذوب وسط مجتمع مدرسي أصبح محببًا مفضلًا لي.
تطل علينا عروسة مصنوعة من قماش ومن خشب تتحرك فتتحرك معها قلوب الصغار، كائن يقبل أن يأتي بسلوك مرفوض من أجل تقويم وتعليم للنشء، تقبل أن تتعرض للوم، لتوبيخ في كل حلقة من أجل غرس قيم وأخلاق تناسب عظمة تاريخ وحضارة هذا البلد.
مطلوب كرنبة أخرى كالتي ظهرت في برنامج -تسالي- مطلوب عروسة نموذج تحاكي نماذج عرائس العقود السابقة، كانت الجميلة ماما "فاطمة سالم" كما كنا نطلق عليها تعبر من خلال برنامجها الهادف عن رسالتها كأم، كمعلمة، مذيعة يهواها القلب ويقدر جهدها العقل، وكرنبة العنيدة التي كانت تجيد العناد والجدل.
وجدتني أقنع نفسي بأن هناك شبه كبير بين وظيفتي وبين هذا الدور الذي كانت تقوم به مذيعات زمن جميل، مذيعات يتقمصن أدوار مربيات لا يقل دورهن عن دور أفضل الأمهات وأمهر المعلمات، والآن وأنا في هذه السن ما زلت ممتنة لهذه الأيقونة التي كانت تساعد الوالدين في تنشئة أولادهم تنشئة سليمة، تغرس بهم قيم وأخلاق ودعوات بالخير لمن ربى، لمن علم، لمن ترك أثرًا لا يمحوه مرور زمن.








