السيناريست عماد النشار يكتب: لو كنتُ مسؤولًا(1)
وزارة الثقافة والبيئة
حين تصبح الطبيعة حكاية… وتغدو الثقافة فعلَ حمايةٍ واستدامة
في صباحٍ عادي، يخرج المواطن من منزله.
يرى شارعًا مكتظًا، هواءً مثقلًا بالغبار، جدارًا بلا روح، ومساحةً عامة لا تدعوه للتوقف أو التأمل.
يمضي في طريقه سريعًا… لا لأنه مستعجل، بل لأن المكان لا يقول له شيئًا.
هنا تبدأ القصة.
وهنا تحديدًا نفهم لماذا فشلت كثير من سياسات البيئة، ولماذا بقيت الثقافة حبيسة القاعات والمهرجانات، بعيدة عن الحياة اليومية للناس.
من هذا المشهد البسيط تنطلق هذه الرؤية، ضمن سلسلة مقالات «لو كنتُ مسؤولًا»، لإعادة التفكير في واحدة من أكثر القضايا تهميشًا في الإدارة الحديثة:
العلاقة بين الإنسان والمكان، بين الثقافة والبيئة.
الفكرة الجوهرية: لماذا وزارة البيئة والثقافة؟
لأن البيئة ليست مجرد ملف تقني،
ولأن الثقافة ليست ترفًا فكريًا.
البيئة، في جوهرها، سلوك يومي.
والثقافة، في حقيقتها، ما نفعله دون أن يُطلب منا ذلك.
لقد تعاملنا طويلًا مع البيئة بالقوانين والغرامات،
ومع الثقافة بالفعاليات والخطابات.
والنتيجة؟
لا البيئة تحسّنت،
ولا الثقافة أثّرت.
من هنا يأتي هذا المقترح:
دمج وزارة البيئة ووزارة الثقافة في كيان واحد، لا بوصفه إجراءً إداريًا، بل تحوّلًا فكريًا عميقًا.
لا ثقافة دون بيئة… ولا بيئة دون ثقافة
لا يمكن أن تزدهر الأفكار في بيئة قبيحة، خانقة، طاردة.
ولا يمكن حماية الطبيعة في مجتمع لا يرى فيها جمالًا أو قيمة رمزية.
الفنان لا يبدع في مكان ملوّث الروح.
والمواطن لا يحمي ما لا يشعر بالانتماء إليه.
لذلك فإن دمج البيئة بالثقافة يعني:
تحويل حماية الطبيعة من واجب مفروض إلى قناعة داخلية
وجعل الجمال مدخلًا للوعي
والهوية أداةً للاستدامة
من يصنع السياسات؟ هنا بيت القصيد
الغرض من هذا الدمج ليس تقليص عدد الوزارات فحسب،
بل توسيع دائرة العقل الذي يصنع القرار.
لا بيئة تُدار بالمهندسين وحدهم،
ولا ثقافة تُصنع بالموظفين فقط.
هذه الوزارة، في تصورها الصحيح، يجب أن تستعين بـ:
المفكر
الفنان
المعماري
الكاتب
عالم الاجتماع
المصمم الحضري
ليسوا ضيوف شرف،
ولا أدوات تزيين،
بل شركاء في رسم السياسات من لحظة التفكير الأولى.
حين تتحول السياسات إلى مشاهد حيّة
تخيل:
مهرجانًا ثقافيًا يُقام في محمية طبيعية، لا في قاعة مغلقة
مسرحًا مفتوحًا يحكي قصة الماء، والظل، والإنسان
مدينة تتحدث جدرانها عن تاريخ المكان، لا عن الإعلانات
متحفًا يعلّم الطفل كيف يحب الشجرة قبل أن يحفظ اسمها
هنا لا نُلقّن المواطن درسًا بيئيًا،
بل نمنحه تجربة يشعر بها، فيتغير دون أن يُطلب منه ذلك.
الهيكل… دون تضخم، ودون تمييع
حتى لا يتحول الدمج إلى عبء إداري، تقوم الوزارة على:
ذراع بيئي تشريعي رقابي واضح
ذراع ثقافي إبداعي فاعل
ومجلس وطني للفكر والإبداع البيئي
هذا المجلس لا يُصدر بيانات،
بل يراجع السياسات، ويقترح الرؤى،
ويضمن أن تبقى القرارات إنسانية قبل أن تكون إجرائية.
تجميل البيئة: فعل حضاري لا ديكور
التجميل هنا ليس طلاءً أو زينة،
بل:
تصميم يحترم الإنسان
فن عام يعكس الهوية
مساحات تُشجّع على المشي، التأمل، والحوار
حين تصبح المدينة جميلة،
يصبح المواطن أكثر لطفًا معها.
وهذا جوهر الحماية البيئية.
التحديات… والرهان الحقيقي
نعم، هناك مقاومة للتغيير.
نعم، هناك خوف من الجديد.
ونعم، هناك من يفضل الحلول السهلة قصيرة المدى.
لكن الرهان الحقيقي ليس على سهولة التنفيذ،
بل على عمق الأثر.
الدول لا تُبنى بالقوانين وحدها،
بل بالذائقة، بالوعي، وبالانتماء.
الخاتمة: حين تصبح الدولة فكرة
لو كنتُ مسؤولًا،
لآمنت أن أعظم إنجاز حكومي
هو أن لا يشعر المواطن بثقل الحكومة، بل بحضورها الإيجابي في تفاصيل حياته.
وزارة البيئة والثقافة ليست وزارة خدمات،
بل وزارة تُعيد صياغة العلاقة بين الإنسان والمكان.
وحين يحب الإنسان مكانه…
سيحميه.
وحين يحميه…
يستدام المستقبل.
وهكذا فقط، تبدأ الدولة التي نحلم بها.







