ماجدة موريس تكتب: من رسائل الشيخ حسني إلى رسائل البحر .. الفنان وهموم الناس
في لحظة فارقة في حياته ،تخلي عن عشقه للصحافة ليتجه الي السينما ويدخل معهدها بدلا من قسم الصحافة بكلية الآداب ،وفي لحظة فارقة اخري ،قرر ان يبدأ صناعة الافلام التي يريدها كمخرج بعد ان كان مساعدا ،وكان الفيلم الذي دفعه لهذا القرار هو (الارض )ليوسف شاهين وقرأ رسالة الفيلم ،ان هم المواطن هو البوصلة التي سيذهب اليها ،وبدأ العمل بالأفلام التسجيلية فقدم فيلم هام بعنوان (وصية رجل حكيم في شؤون القرية والتعليم ) عام ١٩٧٦عن التعليم في الريف المصري وكيف من الممكن ان يصبح افضل ،بعده قدم فيلمان آخران هما (العمل في الحقل ) عن قضايا الفلاح اما الثالث فهو (عن الناس والأنبياء والفنانين ) عام ١٩٨٠ ليتوقف بعدها عن التسجيلي ويقرر الاتجاه للافلام الروائية في وقت ظهر فيه جيل من الـ مخرجين غيره لديهم رؤي مختلفة للسينما تتلخص في الاقتراب اكثر مما يعيشه الناس في الواقع والتعبير عنه بلغة فنية اكثر صدقا وبعدا عن المحسنات الفنية التي أجادها الكثير من صناع السينما في زمن السبعينات ، وليصنع هذا الجيل الجديد مع داود عبد السيد الكثير من التغيير في السينما المصرية ويسمي (جيل الواقعية الجديدة ) وأسماء مبدعة مثل عاطف الطيب ومحمد خان وخيري بشارة وسيد سعيد وآخرين ،لكن داود اضاف الي سينماه ما رآه مهما جدا في مسيرته وهو انه علي المخرج ان يكتب ايضا اعماله لانه الادري بها ،والأقدر علي كتابة السيناريو الذي سوف ينفذه مشهدا مشهدا ،وهكذا بدأ رحلة أخري هي البحث عن منتج لإعماله ليبدإها بفيلمه الاول (الصعاليك ) عام١٩٨٥الذي سيواجه فيه قضية الانفتاح الاقتصادي الذي بدأ في نهاية السبعينات وأحدث تحولات اجتماعية وطبقية كبيرة في المجتمع ،كان نور الشريف ومحمود عبد العزيز هما بطلا الفيلم الذي لفت الأنظار كثيرا لهذا المخرج الجديد ،وبعد ست سنوات وجد من ينتج له الفيلم الثاني (البحث عن سيد مرزوق ) الذي قام ببطولته نور الشريف وآثار الحكيم وممثل قدير آخر هو علي حسنين في دور مليونير مثير للدهشة والغضب معا بسلوكياته الاجتماعية ،وفي نفس العام -١٩٩١- يقدم داود فيلمه النادر (الكيت كات )الذي اصبح من أساطير الافلام المصرية .
الكيت كات ،،وسارق الفرح
اعجب مخرجنا بقصة الكاتب الكبير (صنع الله إبراهيم )التي تدور احداثها في حي الكيت كات الشعبي وقرر ان يقدمها ،وان يكتب مشاهدها في سيناريو بديع ،وان طرح علينا سؤالا وجوديا عن معني العجز الإنساني ؟ فبطل الفيلم الشيخ حسني كان كفيفا ولكن كانت لديه الشجاعة والشغف بالحياة وفض رموزها التي لا يراها بعينيه ولكن بقلبه وسمعه لاي هسهسة من جيرانه في هذا الحي ذو الحارات الضيقة والتزاحم الإنساني ومن هنا عاش حياة سعيدة عكس ابنه خريج الجامعة المحبط بسبب عجزه عن ايجادوظيفة وتفكيره في الهجرة ،وبين الحكايتان تطيح نشوة الشيخ حسني بكل المحظورات علي امثاله ليبدو بلا نقص في التعامل مع غيره وبلا حسابات لدرجة قيادة موتوسيكل يطير به ويرعب الجميع وهو يغني (درجن ،،درجن )،فيلم قدم كل العاملين فيه افضل ما عندهم ،واولهم محمود عبدالعزيز وأمينة رزق وشريف منير ونجاح الموجي وعايدة رياض وغيرهم وأبدع فيه صناع اغان مثل صلاح جاهين وسيد حجاب وصناع موسيقي مثل سيد مكاوي وابراهيم رجب اضافة للموسيقار راجح داود زميل رحلة المخرج ،وانشأ لاجله مهندس الديكور انسي ابو سيف منطقة شعبية كاملة بكل ملامحها لتصوير الفيلم الذي قام به مدير التصوير المبدع محسن احمد ،ومن الكيت كات يقدم داود عبد السيد فيلم (سارق الفرح ) بعد اربعة أعوام (١٩٩٥) عن قصة الكاتب الكبير (خيري شلبي) التي تدور احداثها في منطقة المقطم ،وكعادته يكتب داود السيناريو ويحدد المشاهد التي تعبر عن رؤيته للقصة التي تدور حول راقصة تحب بائع مناديل ورق بلا امل كبير في الزواج ،ولكنهما ينزعجان حين يتقدم لها آخر مستعد ،وتنقلب كل خططهما ،والأبطال هنا هم لوسي وماجد المصري ومحمد هنيدي وعبلة كامل وحسن حسني.
من ارض الأحلام ،،،لارض الخوف
بين افلام الاحياءالشعبية ،قدم لنا داود فيلم لفاتن حمامة هو (ارض الأحلام ١٩٩٣) وكإنه يلحق بجيلها ويضع بصمته من خلال قصة وسيناريو لم يكتبهما لاول مرة ،وانما كانا من تأليف هاني فوزي ،ومع فاتن ممثلون من جيل احدث هما يحيي الفخراني وهشام سليم وعلا رامي ،عن الحلم الأمريكي الذي ذهب اليه ابناء السيدة نرجس التي تستعد للحاق بهم ولكنها تكتشف ضياع جوازسفرها قبل ساعات من السفر فتبدأ رحلة البحث عنه في الاماكن التي ذهبت اليها والاشخاص الذين قابلتهم وبينهم رجل غريب يعمل ساحرا في الملاهي الليلية ويفلح في دفعها لتصديق قدرته علي ايجاد الباسبور لكنها تغير رايها،وحياتها ،وتقرر عدم السفرمن بلدها ،والبقاء في مصر ، ومن ارض الأحلام ذهب بنا المخرج الكبير الي ارض اخري في فيلمه المهم (ارض الخوف ) في بداية الالفية الجديدة (عام ٢٠٠٠) وبطله يحيي ابو دبورة ضابط شرطة محترم ومثالي وهو ما يدفع رؤساءه للدفع به في مهمة صعبة هي الدخول في عالم تجارة المخدرات وتجارها الكبار لكشف اسرارها ،ويقوم الظابط بالمهمة ،ويتلقي خطابات الرؤساء عبر احد العاملين في البريد ،لكنه حين يشعر بالتعب ،وبإن المهمةطالت يكتشف بإن رؤسائه الذين كلفوه بالمهمة لم يعودوا موجودين ،فالبعض. توفي ،والبعض خرج علي المعاش،ولايوجد من يعرفه الان ،ليبقي كما هو ضابط ولكن في صورة تاجر مخدرات وهوالدورالذي قام به احمد ذكي ببراعة شديدة ومعه عبد الرحمن ابو زهرة وحمدي غيث وسامي العدل وعزت ابوعوف واحمد كمال ومخلص البحيري وفيدرا وزينة وأكبر عدد من النجوم القدامي والجدد في اطار فيلم طرح تساؤلات كثيرة جدا عن الحياة ومفارقاتها وغرائبها وإمكانياتها.وكيف من الممكن ان تفاجئ الانسان بما لا يتخيله .
مواطن ومخبر وحرامي
ما هي الفروق بين المواطن والمخبر والحرامي ؟
وما هي ظروف لقائهم ؟ وكيف ؟ اسئلة طرحها داود عبد السيد عام٢٠٠١ في هذا الفيلم النادر عن علاقةغريبة بين المواطن الشاب سليم سيف الدين (خالد ابو النجا ) ،الذي يعيش وحده ويكتب رواية علي امل ان يصبح كاتبا مرموقا ،وبين المخبر فتحي عبد الغفور(صلاح عبد الله ) ،واللص شريف المرجوشي (شعبان عبد الرحيم ) الذي يسرق مخطوط الرواية ويلجإ الكاتب للمخبر فيحاول التوسط لدي اللص ،ويبدي المواطن قدر من التسامح حتي يحصل علي ما سرق منه بينما يحاول المخبر التوفيق بينهما خاصة مع قدرته علي التفاهم مع اللص وهو ما يتم باستخدام قدر عال من السخرية في الحوار والأداء والاستعانة بأغاني شعبان عبد الرحيم الذي كان نجما وقتها في اطاردراما تمزج بين الواقعية والفانتازيا في نفس الوقت وتدفع المشاهد للتفكير في نفس لحظات الضحك و في مفردات هذه العلاقة الثلاثية ودورها في حياتنا علي كافة المستويات ،و بعد ٩سنوات كاملة قدم داود فيلمه الروائي الثامن (رسائل البحر )عام٢٠١٠ عن الطبيب الجديد يحيي (كان يفضل اسم يحيي لابطال افلامه وما يعنيه من رمزية ) الذي يعاني من اضطرابات النطق فيتعرض للسخرية والتنمر من زملائه فيترك المدينة والعمل ليذهب الي الإسكندرية حيث توجد شقة العائلة القديمة ،ويبدإبصيد السمك لافلاسه ،لكنه يصيد زجاجة بها رسالة لا يعرف لغتها ،وتبدإ حياته في التحول تحولات كبري متتالية ،قام آسر ياسين ومحمد لطفي وبسمة بإفضل ادوارهم في هذا الفيلم الي جانب آخرين بينهم المخرجة القديرة الراحلة نبيهة لطفي في دور فرانشيسكا الإيطالية ساكنة احد شقق العمارة التي تقع علي البحر مباشرة بينما قام صلاح عيد الله بدور المشتري الجشع الذي اشتراها ليهدمها ويبني برجا مكانها في فيلم يسجل الكثير مما واجهته المدينة الساحلية الأكبر في مصر وما طالها من متغيرات ومحاولات هدم وتغيير ،بعد سنوات قليلة اخري قدم المخرج الفيلسوف -وفقا لرؤية الكثيرين -فيلمه الأخير عام ٢٠١٥ وهو (قدرات غير عادية ) عن باحث علمي يشعر بالخذلان لفشل بحثه الذي اجتهد فيه كثيرا، وتزداد حالته سوءا حين يوقف عن عمله ،فيترك مدينته الي الإسكندرية والي بنسيون يري البحر يكتشف فيه شخصيات مختلفة يزعجه البعض منهم ولكن صاحبته تصطفيه ويعجب بابنتها الصغيرة معتقدا انه عثر علي ما كان يبحث عنه في دراسته ،قام بدور الباحث خالد ابو النجا مع نجلاء بدر واحمد كمال وعدد غير قليل من الممثلين والممثلات الجدد علي أعماله مثل حسن كامي وعباس ابو الحسن ومحمود الجندي وسامي مغاوري وريم حجاب وبسمت سلامة ،،وبعدها توقف المبدع الكبير عن العمل برغم كتابته لاعمال اخري بعدما تعذر وجود منتج ،واعلن اعتزاله حفاظا علي كرامته وقيمته ،وتلقي التكريمات ،ولكنه لم يتلقي عروضا محترمة للعمل ،،واكم من مبدعين رحلوا بدون استكمال مسيرتهم ،والبعض ما زالوا بيننا ينتظرون .







