ابتهال عبد الوهاب تكتب: العالم يحتفي بنوبل.. ونحن نهين رائدات التنوير
العالم كله كان يترقب جوائز نوبل، وهي مناسبة للاحتفاء بالعقل الإنساني حين يوسع حدود المعرفة، ويكسر جدران المجهول، ويضيف إلى رصيد البشرية فكرة جديدة، أو اكتشافا يغير فهمنا للحياة والكون والإنسان.. يواصلون رحلتهم الشاقة من السؤال إلى الاكتشاف، ومن الشك المنهجي إلى اليقين المؤقت، ومن المعرفة الراهنة إلى آفاق لم تكتشف بعد.
أما نحن، فما زلنا نستهلك وقتنا في معارك تبدو وكأنها خرجت من أرشيف عصور لم تغادرنا تماما؛
مدرس تاريخ يزدري هدى شعراوي، ويختزل تاريخ رائدات التنوير في شتائم وأحكام مسبقة، وآخرون يتعاملون مع العقل باعتباره متهما ينبغي إخضاعه لسلطة الموروث، فيما تطالعنا أصوات تتجادل حول ما إذا كان الجن يلد أم يبيض
لا نطالب احد بتقديس الشخصيات التاريخية، لكن ليس من حق أحد أيضا أن يستبدل البحث التاريخي بالتشهير، أو أن يستخدم موقعه التعليمي لتشكيل وعي الطلاب على أساس الاحتقار.
الإشكالية تتعلق بنوعية الأسئلة التي تشغل وعينا، وبالطريقة التي ننتج بها المعرفة، وبالمكانة التي نمنحها للعقل في ترتيب أولويات حياتنا.
لا أقول أن هذه المجتمعات تخلو من الخرافه ، لكنها تمتلك، بدرجات متفاوتة، مؤسسات علمية وتعليمية وقانونية تستطيع مقاومة تحول الخرافة إلى مرجعية حاكمة للحياة العامة
أما حين يضعف التعليم النقدي، ويهمش الباحث، ويحتفى بالخطاب الذي يستثير الغرائز أكثر مما يحترم العقل، فإن المسافة بيننا وبين العالم تتسع وتبعد
إن ازدراء مدرس التاريخ وغيره للمرأة، خصوصا حين تكون من اللواتي حملن مشعل التنوير وواجهن سلطة المجتمع دفاعا عن حق الإنسان في المعرفة والحرية والمساواة، ليس مجرد إساءة إلى امرأة أو انتقاص من شخصية تاريخية؛ أرى أنه اعتداء على الذاكرة الإنسانية ومحاولة لإعادة إنتاج الوصاية التي ناضلت تلك النساء من أجل كسرها.
فحين تستقبل أفكار النساء هؤلاء النساء بالسخرية بدلا من المناقشة، وتختزل تجاربهن في أوصاف مهينة بدلا من قراءتها في سياقاتها التاريخية والفكرية، نكون أمام عقل لا يخشى المرأة بقدر ما يخشى ما تمثله من استقلال ووعي وقدرة على مساءلة المسلمات.
المطلوب هو إصلاح بنية كاملة من العلاقات: تعليم يعلم الطالب كيف يفكر لا ماذا يحفظ، وإعلام يمنح العلم والخبرة مساحة حقيقية، ومؤسسات تحمي حرية البحث، وثقافة عامة لا تجعل الشهرة بديلا عن المعرفة، ولا تجعل التدين معيارا وحيدا للحكم على كفاءة الإنسان في كل مجال.
إن امتلاك التكنولوجيا لا يعني امتلاك العقل الذي أنتجها. يمكن لمجتمع أن يستهلك منتجات الحداثة، بينما يظل مترددا في تبني قيمها الفكرية: حرية السؤال، واستقلال الضمير، واحترام الاختلاف، والمساواة أمام القانون، والاعتراف بحق الإنسان في مراجعة ما ورثه عن آبائه وأجداده.
وهنا تكمن المفارقة: نحن نريد ثمار الحداثة، لكننا لا نريد دائمًا دفع ثمنها الثقافي؛ نريد العلم دون الشك المنهجي، والتقدم دون نقد الموروث، والحرية دون الاعتراف باستقلال الفرد، والديمقراطية دون قبول حق الآخرين في التفكير على نحو يخالفنا.
إننا بحاجة إلى أن ننتقل من سؤال: من قال؟ إلى سؤال: ما الدليل؟ وما البرهان ؟
لابد أن نعلم ان كرامة النساء جزء من معركة التقدم
نحن نحتاج إلى مجتمع لا يخاف من امرأة حررت عقلها، ولا من طالب يطرح سؤالا محرجا، ولا من باحث يشكك في فكرة شائعة، ولا من إنسان يختار طريقه الفكري دون وصاية
العالم لا ينتظر أحدًا. والمعرفة لا تتوقف حتى نتهيأ لاستقبالها. والتاريخ لا يمنح المجتمعات فرصًا لا نهائية لتصحيح مساراتها.
أما نحن، فعلينا أن نختار: إما أن نربي أجيالا تمتلك شجاعة السؤال، فتشارك في صناعة المستقبل، وإما أن نظل نستهلك منتجات العقل الإنساني بأيدينا، ونحارب استقلاله بعقولنا.
نحن لم نتأخر لأن العالم سبقنا فقط، بل لأننا نبدد طاقتنا في مقاومة الأسئلة التي تصنع التقدم. لا نحتاج إلى مزيدا من الذين يلقنون الأجيال كيف تحتقر، بل إلى من يعلمونها كيف تفكر وتبدع
اعتقد ان التاريخ لا ينتظر المترددين، والمستقبل لا يمنح امتيازاته لمن يكتفون بمشاهدة الآخرين وهم يصنعونه. وبين عقل يفتح نافذة على المجهول، وعقل يغلق أبواب المعرفة خوفا من السؤال، تتحدد المسافة الحقيقية بين النهضة والانكفاء.






