د. أحمد عبد ربه يكتب: العلم والخرافة والعوضي
كثيرون يصدقون الخرافة لا لأنهم أغبياء، بل لأنهم خائفون. يخافون من المرض، من المستشفيات، من تكلفة العلاج فى ظل ظروف اقتصادية صعبة، من الدواء وآثاره الجانبية، من تجربة طبيب لم يسمعهم جيدًا، أو من نظام صحى يتعامل معهم كملفات وأرقام وتحاليل ولا ينظر إلى شخوصهم واحتياجاتهم.
فى هذه اللحظة، يأتى شخص واثق، يتحدث ببساطة، ويقول لهم إن الحل أسهل مما يظنون، وإن العلم الرسمى يخفى الحقيقة، وإن الدواء تجارة، وإن الشفاء فى وصفة طبيعية أو نظام غذائى أو اكتشاف شخصي. هنا لا يبيع هذا الشخص الخرافة فقط، بل يبيع الطمأنينة أيضًا ومن هنا يتمكن من الترويج لبضاعته (أفكاره) بسهولة
الفرق شاسع بين أن نقول إن نمط الحياة يساعد على الوقاية وتحسين الصحة، وبين أن نقول إنه بديل شامل عن العلاج. بين أن نشجع الناس على الأكل الصحي، وبين أن نحول الطعام إلى عقيدة علاجية تفسر كل مرض وتعالج كل شىء. بين نقد الإفراط فى الدواء، وبين دفع الناس إلى كراهية الدواء من حيث المبدأ.
المجتمع الذى يريد أن يحمى نفسه من الخرافة لا يحتاج فقط إلى مزيد من المعلومات، بل إلى تدريب أفضل على السؤال. لا تسأل فقط: من قال؟ اسأل: كيف عرف؟ أين الدليل؟ من راجعه؟ هل هناك إجماع؟ هل هناك خلاف علمى حقيقى أم ضجيج إعلامى؟ هل الكلام موجه لكل الناس بلا تمييز؟ هل يعد بنتائج مطلقة؟ هل يطلب منك أن تترك علاجا مثبتا؟ هل يعتبر كل ناقد عدوا أو جاهلًا أو مأجورًا؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تنقذ حياة!
الخرافة لا تنتصر لأنها أقوى من العلم، بل لأنها أحيانا أدفأ منه وأسرع وأبسط. تقدم للناس إجابات نهائية فى عالم مرهق ومربك. أما العلم فيقدم احتمالات، ونسبا، وتحفظات، وشروطا. لذلك يبدو أقل جاذبية. لكنه، رغم كل عيوب المؤسسات التى تحمله، يظل الطريق الوحيد الذى اخترعه البشر لتقليل الوهم وزيادة الفهم.
العلم ليس لقبًا يحمله صاحبه إلى الأبد، وليس شهادة تعلق على الحائط، وليس لغة معقدة ترهب الناس. العلم طريقة فى احترام الحقيقة: تجربة قبل الادعاء، ومناظرة قبل اليقين، وتراكم قبل القفز إلى النتائج. وما لا يمر من هذه الأبواب الثلاثة قد يكون رأيًا، أو انطباعًا، أو أملًا، أو تجارة، أو خرافة جميلة المظهر، لكنه لا يصبح علمًا أبدًا.







