حكاية طبق ”الخشاف” من قصور السلاطين إلى بيوت الصائمين
مع اقتراب أذان المغرب في شهر رمضان المبارك، يتربع "طبق" الخشاف على عرش المائدة العربية بزيه الملون ومذاقه الغني، معلنًا انطلاق طقس لا يكتمل الصيام بدونه، بينما يراه البعض مجرد طبق من الفواكه المجففة، تضرب جذور هذا الطبق في عمق التاريخ، حاملةً معها حكايات من الترف العثماني والتدبير المنزلي.
أصل التسمية: "ماء وعسل"
تعود كلمة "خشاف" في أصلها إلى اللغة التركية، وهي مشتقة من الكلمتين الفارسيتين "خوش" (بمعنى طيب أو حلو) و"آب" (بمعنى ماء)، وبذلك يكون المعنى الحرفي لها هو "الماء الحلو" أو "الشراب الطيب"، وقد ظهر هذا المصطلح لأول مرة بشكل واسع خلال العصر العثماني، حيث كان يقدم كتحلية باردة ومنعشة في القصور، وسرعان ما انتقل إلى الموائد الشعبية ليصبح الرفيق الدائم للتمر.
المكونات عبر الزمن
لم يكن الخشاف قديماً مجرد خلطة عشوائية، بل كان يعتمد على ما تجود به الطبيعة في مواسم الحصاد ويتم تجفيفه ليدوم طويلاً، يتكون الطبق تاريخياً من التمر، وهو العنصر الأساسي والسنة النبوية في الإفطار، والفواكه المجففة مثل القراصيا، المشمشية، والزبيب، والمكسرات التي أضيفت لاحقاً كنوع من الوجاهة الاجتماعية والفوائد الغذائية. كما كان ينقع قديماً في ماء الورد أو ماء الزهر لإضفاء طابع ملكي على المذاق.
القيمة الغذائية
خبراء التغذية يؤكدون أن "الخشاف" ليس مجرد تقليد، بل هو "قنبلة" من الفيتامينات والمعادن التي يحتاجها الجسم بعد ساعات الصيام الطويلة. فهو يعيد التوازن لمستوى السكر في الدم بشكل تدريجي بفضل الألياف الموجودة في الفواكه، كما يمد الجسم بالبوتاسيوم والحديد، مما يقلل من الشعور بالإرهاق والخمول بعد تناول وجبة الإفطار.
تقاليد لا تغيب
على الرغم من ظهور مئات الأصناف من الحلويات الرمضانية الحديثة والمبتكرة، يظل للخشاف "هيبة" خاصة، فهو الطبق الذي يجمع بين البساطة والرقي، وبين كونه شراباً وطعاماً في آن واحد. ويحرص الكثيرون حتى يومنا هذا على تحضيره قبل الإفطار بعدة ساعات، لضمان امتزاج السكريات الطبيعية بالماء، ليخرج لنا ذلك "الحلو" الذي يروي ظمأ الصائمين.
الخلاصة
تظل حكاية "الخشاف" رمزاً للتراث الثقافي العربي، حيث يجمع بين الماضي والحاضر، ويعكس التقاليد العريقة التي لا تزال حية في قلوب الناس. مع كل قضمة من هذا الطبق، نستعيد ذكريات الأجداد ونحتفل بعبق التاريخ الذي يرافقنا في كل رمضان.










