السيناريست عماد النشار يكتب: وزارة التعليم والإعلام حين يتعلّم العقل في المدرسة… ويُختبَر في الشاشة
السيناريست عماد النشار يكتب: وزارة التعليم والإعلام حين يتعلّم العقل في المدرسة… ويُختبَر في الشاشة لو كنتُ مسؤولًا (3)
في الصباح، يدخل الطالب فصله.
يتعلّم قاعدة علمية، فكرة تاريخية، أو مهارة تحليل.
وفي المساء، يجلس أمام شاشة صغيرة،
تُعيد تشكيل وعيه، لغته، أحكامه، وموقفه من العالم…
في دقائق، لا في سنوات.
بين الصباح والمساء،
تتآكل كثير من جهود التعليم،
لا لضعف المناهج،
بل لأن ما يتعلّمه العقل لا تحميه الرسالة الإعلامية.
هنا، تحديدًا، يظهر السؤال الكبير:
كيف نُعلّم المواطن شيئًا في المدرسة، ثم نترك الإعلام يهدمه بلا مساءلة؟
لماذا وزارةالتعليم والإعلام ؟
لأن التعليم يصنع المعرفة،
والإعلام يصنع الوعي.
ولأن المعرفة بلا وعي:
قد تُستَخدم خطأ
أو تُفرَّغ من معناها
أو تُختزل في حفظٍ بلا فهم
ولأن الإعلام بلا مرجعية تعليمية:
يُسطّح العقل
يُربك القيم
ويُحوّل الرأي إلى انفعال
الدمج هنا ليس ترفًا تنظيميًا،
بل ضرورة لحماية العقل العام.
التعليم يزرع… والإعلام إمّا أن يسقي أو يقتلع
التعليم عمل تراكمي طويل النفس.
يبني العقل خطوة خطوة.
أما الإعلام:
فوري
سريع
مؤثر
وعابر للحدود
وإن لم يكن الإعلام:
مكمّلًا للتعليم
وحارسًا للمعرفة
فسيكون – من حيث لا نقصد – مقوّضًا لها.
ما الذي لا نقصده بهذا الدمج؟
وهنا الوضوح واجب، كما في الحلقات السابقة:
لا إعلام موجَّه
لا تكميم أفواه
لا تحويل الإعلام إلى منبر رسمي
لا تدخّل في حرية الرأي
لا تسييس للمحتوى التعليمي
هذا الدمج ليس وصاية،
بل تناغم رسالي.
إذن… ما الذي نقصده فعلًا؟
نقصد:
توحيد الرسالة المعرفية للدولة،
دون توحيد الصوت أو الرأي.
أن يتحدث التعليم بلغة العقل،
ويتحدث الإعلام بلغة الناس،
لكن:
من نفس المنظومة القيمية
وبنفس احترام الذكاء العام
من يصنع هذه المنظومة؟
ليس الإداري وحده،
ولا الإعلامي وحده،
ولا التربوي وحده.
بل:
خبراء تعليم
مختصو إعلام
علماء نفس
فلاسفة معرفة
صُنّاع محتوى
مختصو تفكير نقدي
لأن المعركة اليوم ليست على المعلومة،
بل على تأويلها، وتوظيفها، وتداولها.
من الفصل إلى الشاشة: رحلة واحدة يجب ألا تنقطع
تخيّل:
برنامجًا إعلاميًا يُنمّي التفكير النقدي بدل الإثارة
محتوىً رقميًا يحترم عقل المتلقّي
إعلامًا يشرح، لا يصرخ
يحلّل، لا يحرّض
يسأل، لا يُلقّن
هنا يصبح الإعلام:
امتدادًا طبيعيًا للتعليم
لا نقيضًا له
الإعلام بوصفه تعليمًا مستمرًا
التعليم ينتهي عند شهادة.
لكن الإعلام:
يرافق المواطن طوال حياته
ومن هنا:
إما أن يكون الإعلام مدرسة مفتوحة،
أو فوضى مفتوحة.
وزارة الإعلام والتعليم، في هذا التصور،
تجعل من الإعلام:
شريكًا في بناء الوعي
لا مجرد ناقل خبر أو صانع ترند
ماذا تفعل هذه الوزارة عمليًا؟
وضع معايير مهنية للمحتوى المعرفي والإخباري
دعم البرامج التثقيفية الجاذبة
تدريب الإعلاميين على التفكير النقدي
دمج مفاهيم الإعلام الرقمي الواعي
حماية المتلقي، لا السيطرة عليه
التحدي الحقيقي
التحدي ليس في حرية الإعلام،
بل في غياب المعنى.
فحين يغيب المعنى:
تسود الإثارة
يعلو الضجيج
ويُهمَّش العقل
والدولة التي لا تحمي عقل مواطنيها،
ستدفع الثمن في وعيهم، وخياراتهم، ومستقبلهم.
الخاتمة: حين نحترم عقل المواطن
لو كنتُ مسؤولًا،
لآمنت أن أخطر استثمار تقوم به الدولة
هو الاستثمار في العقل العام.
وزارة الإعلام والتعليم ليست وزارة رقابة،
بل وزارة حماية الوعي.
تحميه:
من التزييف
من التسطيح
من الاستهلاك الأعمى
وحين يلتقي تعليمٌ جيّد
بإعلامٍ مسؤول…
نصنع مواطنًا:
يفهم قبل أن يحكم
يفكّر قبل أن يشارك
ويختلف دون أن ينفلت
وهكذا تُبنى دولةٌ تعرف ماذا تقول…
ولماذا تقوله…
ولمن تقوله.
وهكذا فقط تبدأ الدولة التي نحلم بها.








