ابتهال عبد الوهاب تكتب: قبل أن نتهم الأبناء.. محاكمة الضمير الأبوي
قبل أن تطلق سهما مسموما وتقول.. ابني العاق. ابنتي العاقة
قف طويلا امام مرآة الضمير واسال نفسك لا لتبرر بل لتفهم فالعقوق لا يولد فجأة ولا ينبت من فراغ بل هو ثمرة شجرة سقيت طويلا اما بالجفاء او بالصمت او بالقسوة المقنعة باسم التربية
هل كنت حاضرا حقا في حياة اطفالك لا جسدا يمر بل روحا تصغي وتحتوي
هل جلست الى جوارهم حين ارتبك العالم في اعينهم ام كنت مشغولا دائما بتاديبهم اكثر من فهمهم
هل شاركتهم افراحهم الصغيرة التي تبدو لك تافهة لكنها كانت لهم عالما كاملا وهل وقفت معهم في لحظات الانكسار ام علمتهم باكرا ان الخطا جريمة لا تغتفر
الحب غير المشروط ليس تدليلا بل امان والاحتضان ليس ضعفا بل لغة عميقة تقول للطفل انت مقبول حتى حين تخطئ محبوب حتى وانت تتعثر اما القسوة التي تتخفى خلف شعارات التربية الصارمة فغالبا ما تصنع نفوسا خائفة او غاضبة او صامتة حتى الانفجار
الاطفال لا يعقون لانهم اشرار بل لانهم لم يتعلموا كيف يحبون انفسهم ولم يجدوا في البيت مرآة تعكس قيمتهم الانسانية من لم يتلق الحنان يصعب عليه منحه ومن نشا على الخوف يخلط لاحقا بين الاحترام والرهبة وبين الطاعة والحب
فاسال نفسك بصدق موجع ماذا زرعت في ارواحهم هل غرست التسامح ام العقاب الحوار ام الاوامر القرب ام المسافة لان الابوة والامومة ليست سلطة تمارس بل علاقة تبنى ومعنى يعاش ومسؤولية اخلاقية تمتد اثارها في الزمن
قبل ان تحاكم ابناءك راجع تاريخك معهم فربما لم يكونوا عاقين بل كانوا فقط ابناء لم يسمع صوتهم في الوقت المناسب
في النهايه. العقوق ليس جريمة فردية بقدر ما هو كسر في العلاقة، شرخ في الحب، وغياب طويل للحضور الإنساني. ومن أراد برا صادقا فليبدأ هو بالبر: بر الإصغاء، وبر الاحتواء، وبر الاعتذار حين يخطئ. عندها فقط، يعود الأبناء لا لأنهم مجبرون، بل لأن القلوب التي ذاقت الحب الحقيقي لا تعرف طريقا آخر غير العودة.
يبقى بعض الآباء استثناء نبيلا في هذا العالم القاسي. رحم الله ابي، كان ابا بالمعنى العميق للكلمة، وصديقا قبل ان يكون سلطة، وحضنا امنا قبل ان يكون توجيها. علمني ان الحب لا يناقض التربية، وان الحنان لا يفسد الاخلاق، وان الاب الحقيقي هو من يزرع الطمأنينة في الروح قبل ان يطالب بالطاعة. رحمه الله، فقد كان نعم الاب ونعم الصديق










