السيناريست عماد النشار يكتب: سُنَّةُ الاستبدالِ والاستخلافِ في ميزانِ التاريخ
حين تطغى قوة ما، لا يكون الخوف الحقيقي نابعًا من سطوتها بقدر ما ينبع من الشعور بالعجز أمامها. عندها تتردد عبارة «الدور علينا» على الألسن، لا بوصفها تحليلًا سياسيًا بقدر ما هي تنفيس عن قلق دفين، غير أن هذا القلق كثيرًا ما ينسينا حقيقة ثابتة مفادها أن التاريخ لم يكن يومًا خطًا مستقيمًا، ولا مسرحًا لقوة واحدة خالدة، فما نراه اليوم ليس نهاية الحكاية، بل فصلًا عابرًا منها، سبقه غيره وسيتبعه غيره، كما جرت سنن الزمن دائمًا، فالعروش تمر، أما الزمن فيبقى.
تخيل صورة فيلم ملحمي، الكاميرا ترتفع فوق مدن كانت يومًا قلب العالم. أعمدة شاهقة، قصور مذهّبة، جيوش تملأ الأفق، وملوك يتحدثون وكأنهم خالدون…فجأة يسكن المكان وكله هدوء عميق،ليس لأن العالم انتهى، بل لأن فصلًا أغلق، وستارة أسدلت، وبدأ فصل جديد.
هذه هي سنّة الاستبدال والاستخلاف، قانون ثابت، لا يتقدم ولا يتأخر، لا يعرف المجاملة، ولا يتأثر بضجيج القوة،فحين ظنّت الإمبراطوريات أنها خالدة.
من بابل إلى روما، ومن فارس إلى بيزنطة، ومن الشرق إلى الغرب، تتكرر القصة بصياغات مختلفة ونهاية واحدة.
الإمبراطوريات التي بسطت نفوذها اعتقدت أن الشمس لا تغيب عنها وأن التاريخ كتب باسمها إلى الأبد… روما التي حكمت العالم بالقانون والسيف، كانت ترى نفسها مركز الكون، شوارعها مرصوفة، جيوشها لا تُهزم، ومجلس شيوخها يظن أن الزمن يعمل لصالحه،لكن الزمن، كما هو دائمًا، كان يعمل ضدها لا معها،بدأ التآكل من الداخل،فساد، صراع، ظلم، انفصال عن القيم التي قامت عليها الدولة، لم يسقط السور في يوم، بل سقطت الروح أولًا،وعندما جاءت الضربة الأخيرة، لم تكن مفاجئة، بل مستحقة.
في مشهد أكثر درامية، يظهر المماليك ،ويرتقوا من العبيد إلى السلاطين، رجال جاؤوا من الهامش، بلا نسب ملكي ولا عروش موروثة،كانوا عبيدًا في السجلات، لكن أحرارًا في الإرادة،ارتقوا حين سقط غيرهم، وحكموا حين فشل من سبقهم، وحملوا راية الأمة في زمن كانت فيه الخلافة تتأرجح.
لكن الصعود لم يكن نهاية المشهد، فحين تحوّل الحكم إلى امتياز، والقوة إلى غطرسة، والنصر إلى شعور بالاستحقاق الأبدي، بدأت السنّة نفسها تعمل من جديد.
ثم جاء العثمانيون، ليس فقط لأنهم أقوى بالسلاح، بل لأنهم في لحظتهم التاريخية كانوا الأجدر بالاستخلاف، ولكن حتى الدولة العثمانية التي بدت خالدة لم تنجو، فالفساد والصراعات الداخلية أضعفوها وسقطت كما سقطت من قبل الإمبراطوريات العظمى.
الطغيان علامة لا تخطئ ،وليس الطغيان مجرد ظلم سياسي عارض في لحظة تاريخية فاصلة فقط، بل خلل عميق في العلاقة مع الزمن والناس والقيم،فكل سلطة تبدأ بخدمة فكرة، ثم تتحول الفكرة إلى خدمة السلطة، ثم تُسحق الفكرة تحت أقدامها،وحين يصل الحاكم أو الدولة إلى لحظة يقول فيها كما قال قوم عاد:"وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً" ، حينها يكون قد وقّع على شهادة زواله، حتى لو بقي العرش واقفًا لبعض الوقت.
الاستبدال لا يحدث عبثًا، بل لأن الله يعيد الميزان ولأن الكون لا يحتمل اختلاله طويلًا،فحين يفيض الظلم يبحث العدل عن وعاء جديد.
الاستخلاف ليس تشريفًا بل اختبار،الاستخلاف ليس جائزة، بل مسؤولية كبيرة،ليس إعلان تفوق، بل تكليف مشروط…إن عدلتم، بقيتم،وإن طغيتم، استُبدلتم.
كم من أمة ظنت أن اختيارها أبدي، فإذا بها تُستبدل بأخرى لم تكن في الحسبان،وكم من قوة صغيرة، صابرة، صادقة، وجدت نفسها فجأة في مركز المشهد، لأن اللحظة التاريخية نادت اسمها.
لو توقفنا عند أرشيف التاريخ، لوجدناه لا يخلّد أسماء الطغاة بحب وتمجيد، ولا يكتب عنهم بإعجاب وفخر ، بل يسردهم كعِبر في مشهد أخير ورسالة،يذكرهم ليقول للأحياء لا تكرروا المشهد ذاته فالنهاية محفوظة.
الاستبدال والاستخلاف ليسا قصتين قديمتين فقط، بل مرآة حاضرة،كل أمة، كل سلطة، كل مؤسسة، بل كل إنسان، يعيش داخل هذا القانون…إما أن تكون جزءًا من الاستخلاف،أو مجرد فصل في كتاب الاستبدال.
التاريخ لا يعيد نفسه، لكنه يعاقب من لا يفهمه،
والعروش والمناصب … مجرد ضيوف.







