بقلم آدم وحوا

هند الصنعاني تكتب: في الغربة…هكذا يتكلم الصامتون 

 

لا أحد يفكر أنه سيأتي عليه يوما و يغادر بلده الأم بدون تاريخ عودة، قرار شجاع، مغامر و صعب، فالقدر يكون اقوى ليترك لك مجال للاختيار، تستيقظ فجأة لتدرك أنك تعيش دنيا جديدة و عالما مختلفا عن عالمك الذي تعودت عليه من قبل، ربما اخترته عندما كنت تظن انه اختيارك و محض ارادتك، لكن ستدرك أنه كان طريقا وحيدا مفروضا عليك و موسوما على خطاك.

قمر الغربة لا يضئ، تفرح، تضحك، تنجح، تسعد، لكنك تظل بداخل قلبك قطعة عليلة، حزينة، تذكرك في كل مناسبة بحنين من تركتهم، يهاجمك شعور بالفزع مابين فكرة فقدانهم و فكرة انك لن تعود من الأساس فتصاب بصدمة وقتية تخرسك، تجعلك تقف مذلولا وسط طريق مسدود تحاول الهروب من هذه الغربة الإجتماعية و النفسية و الفكرية.

مصر و كما أحب ان أسميها ” أرض الحب” الأم الحاضنة و بالرغم من صعوبات الغربة و مشاكلها، يتسلل حبها الى اعماق القلب، ربما هذا ما يجعل قهر الغربة اخف وطأة، لكن هذا لا يمنع انني كلما تقدمت في السن و فهمت خبايا الدنيا، و مررت بالقرب من غدرها، يزداد اشتياقي و عشقي و حبي الى بلدي ” المغرب ” تفسيرها الوحيد إنها طبيعة و قناعة انسانية بحتة، ربما لأنني ادرك يوما عن يوم ان كل لحظة تمر هي ورقة تسقط من عمري و لحظة خسارة لحظات لقاء الأحباب، الغربة مهما كانت هي ضحكة باهتة و تائهة، هي حضن مفقود نفتقده عند أول مشكلة او لحظة مرض، الغربة هي صمت دائم يتكلم من الداخل، هي لحظة فراق، هي شنطة سفر و دموع و الم تتوسلين بها للقدر ان يمن عليك بالتمهل و الإنتظار تارة و بأمل اللقاء العاجل تارة أخرى.

و بما أن الغربة تجعل منك ذلك الإنسان المرهف الحزين التائه، هي كذلك نفسها التي تجعل منك وقت اللزوم الإنسان القوي الصامد الجريء المسؤول عن قراراته التي تحتمل الخطأ، ذلك الإنسان أيضا الذي يطور من ذكائه النفسي و الاجتماعي للتعايش و التأقلم و الاندماج مع الناس المحيطة به، هي ايضا تلك الغربة التي تجعلك تتحدى نفسك و تسعى للنجاح فطعم النجاح في الغربة مختلف عن النجاح و انت تتمتع بكل وسائل الرفاهية و انت تعيش بين الأهل و الأحباب و الأصدقاء.

بلدك نعمة كبيرة تدركها عندما تبعد، عندما تتعب، عندما ينتابك إحساس الوحدة عندما تشم رائحة طبخة كنت تلتف حولها بصحبة الأهل في مناسبة غالية، الغربة هي الاختيار الأصعب، و الأصعب منه عندما اقفلت الحدود الجوية بسبب مرض الكورونا، و فقدنا حتى رفاهية السفر للاطمئنان على أسرنا، ليس امامنا الآن إلا التضرع الى الله لازاحة هذه الغمة راجيين منه لقاء أحبابنا في العاجل القريب لا فاقدين ولا مفقودين.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق