أنا حوافنون تشكيليه

هجير البارد في “أزرق دافئ” للفنانة “إيمان حكيم”

افتتحت الفنانة التشكيلية “إيمان حكيم” معرضها المُقام حاليا بجاليري “جرانت” بمنطقة عابدين، وهو أحد أقدم وأعرق قاعات العرض بوسط القاهرة. عرضت فيه الفنانة 32 لوحة كمجموعة جديدة من أحدث لوحاتها والتي لم يسبق عرضها من قبل.. امتزجت فيها الحالة الشعورية الإنسانية المُعبرة بكفاءة التقنية الفنية والتعامل مع الخامة إلى جانب القدرة على التعبير عن قضاياها وهمومها بتلقائية وبساطة مما أعطى لأعمالها إمكانية الوصول بسلاسة للمشاهد والمتلقي.

تعبر من خلال لوحاتها عن اهتمامها الدائم بشأن المرأة من حيث مشاعرها الداخلية وتفاعلها في العديد من الأطر والأدوار الاجتماعية كتأثرها بأسرتها الصغيرة ومجتمعها الكبير.. وكيف تتلقى وتتفاعل وتؤثر وتتأثر بكل ما حولها من ظروف ومُدخلات.
قليلا ما تجد الفنانة إيمان تنقاد كمثيلاتها للبريق الخارجي أو التفاصيل الأنثوية في العمل الفني من أزياءٍ وحُلي لبطلات لوحاتها بقدر ما يشغلها انعكاسات أرواحهن، تتبع بريقاً لا يخبو.. لتجعل لموضوعاتها وهج إنساني.. تجعل من المهمشات والنساء البسيطات حكايات لونية تسردها فرشاتها لنعيش معهن ونتعرض فيها لحياتهن اليومية بل وللتقاليد والموروثات المقيدات بها.. نرى في حكاياتها كيف يتعاملن وكيف تشق كل منهن طريقها نحو الحياة.. نلمس آليات التمرد والتحدي.. مصادر قوتها ومواطن ضعفها.. السيطرة في بعض المواقف واستسلامها ووهنها في أحيانٍ أخرى، نرى نسائها برغم كل ضعفهن وقهرهن يفضن جمالا وعذوبة لا تخلو من حزنٍ شفيف يغالبه الإصرار وطموح أحيانا ويأسره الصبر وتغلفه الحكمة.
استخدمت الفنانة خامة السوفت باستيل كأساس في كامل المجموعة كما نجد أنها في بعض الأعمال أضافت إليها ألون الأكريلك لتوظيفها في بعض المناطق في اللوحة لإعطاء ملامس مختلفة ومردود بصري متباين كما تداخلت في الأعمال خامات أخرى مثل والفحم وبعض خيوط من الدوبار.
إن تحديات “إيمان حكيم” الفنانة لا تنتهي فهي أحد فنانات جيلي ممن أتابع أعمالهن بشغف وشوق لجديدهن، تضع نفسها دوما على مسار التجديد من فنها ورؤيتها فما أن تصل للرضا عن نفسها وفنها في مرحلةٍ ما إلا وتجدها تتركها لتغامر وتتحدى قدراتها في مرحلةٍ جديدة..عاشقة للتجريب ما يتيح لها الدخول إلى رؤى جديدة ومميزة في العمل الفني مما يبلور أفكارها ويؤكدها ويطرحها على مشاهدي أعمالها بصورة متفردة. تميزت اللوحات في مرحلتها الآنية بالاختزال والتبسيط بصورة أكثر وعيا وبدأ التأثير العميق لدور الخط كي يكون له تأثير أقوي في بعض الأعمال من اللمسات الملونة المتعددة، استنطقت جمالياً كل عناصر التكوين في العمل الفني كالجماد في عِدة لوحات فلم يكن دوره في التكوين أقل أهمية من دور الفتاة او المرأة.. حتى الطيور كانت لهم مكانة وتأثير متبادل مع الإنسان موضوعيا فيما يتعلق بالفكرة وفنيا فيما يتعلق بالتكوين وعناصر الاتزان داخل اللوحة، مثلما يحيا النبات نرى الجماد وقد دبت فيه الروح و صار كائن يشكو ويتحدث ويجلس ويواسي من بجواره أو ينتظر لمسة حانية. لقد صنعت وحدة جمالية واحدة نتفاعل معها كما هي كلن حسب رؤيته. أما عن البطولة الخفية للمسات اللون الأزرق في كل اللوحات، فكما يعلم الجميع أنه أحد الألوان الأساسية الباردة إلا أنه أصبح دافئا من فيض ما حمل من الإحساس والمشاعر والشحنة العاطفية فنراه بترددات ساخنة انعكست عليه من حرارة الأحمر والأصفر والبرتقالي من جيرانه ببالتة الألوان..تلوّن الأزرق كمعزوفة ظلال فطالعنا كنغمات ساخنة لكنها ساكنة لأنه لم يعد يخدم مناطق ظل فقط بل فاض وانتشر في مساحات النور والطموح والإرادة المشرقة.
تحرص الفنانة على تقديم انطباعاتها السريعة عن كل حالة فلا تجد في لوحاتها مطاً ولا تطويل.. لكنه التكثيف اللاجائر، تركض فنا لتمسك بفراشة الحالة التي أثرت فيها والتحمت بفكرها ووجدانها ولمست جانب جديد من جوانب روحها وعمق ذاتها الفنية متماساً مع مخزون خبراتها البصرية السابقة ومتفاعلا مع قضايا مجتمعها. مزيج فني يبلور أفكارها ويصورها معتمداً على الخط واللون والتكنيك مع اختلافات الخامات لطرح مفهوم جديد ورؤية أخرى لعالمٍ سرمدي موازٍ لما نعيشه.. إن الفن سر من أسرار الحياة ورسالة يقدمها الفنان ليضع غلالة حانية بينه وبين قسوة هذا العالم. قد تكون الرؤية مشرقة أحيانا وقد تكون ناقدة وساخرة لسلبيات نرفضها وقد تعتصرنا أو نتشربها لكننا بالفن نحياها بهدوء ورضا.. يستمر المعرض حتى الخامس من ديسمبر.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى