بقلم آدم وحوا

سوزان التميمي تكتب: تاء مضمومة “طوق الخنصر”

من دون افتعال مواقفٍ مسبقة، من دون جلبة أو صراخ وبكاء.. من دون حتى شجارٍ مفتعل ليبرر به موقفه المتخاذل أمام احتياجها النفسي والمادي الدائم لوجوده.. تركها. كان رحيله هو السوط الذي يجلدها مجرد التلويح به في كل وقت.. وكانت أمتع هواياته محاولات إذلالها بتذكيرها بمناسبة وبغير مناسبة أنه صاحب أفضال على أسرتهما وبأن لولاه لتفككت هذه الأسرة- وهو الواجب على أي رجلٍ مُحترم- بل ولكانت المسؤلية قسمت ظهرها.. وكأنه يحاول أن يقول لها دوما أن إهاناته المعنوية وإهماله لها ما هو إلا ضريبة عادلة تدفعها طوعاً ودرأً لما يمكن أن تعانيه لو تركها وحدها في هذا العالم الصعب.

عادةً في حالات الانفصال يدعي كلا الطرفين أنه كان مظلوما وضحية للآخر، فحتى الظالم يجد مبرراتٍ قوية لظلمه فلو كان الرجل هو الخائن فسيعثر بالضرورة على مبرر لتلك الخيانة وطبيعي ستكون المرأة هي المُلامة في كل الأحوال، ولو تحققت وأصبحت ناجحة أو تحظى بقدرٍ من الشهرة والاحترام صارت تهمتها الجاهزة أنها كانت السبب لإهمالها لبيتها وزوجها ولا يُذكر بند الغيرة من نجاحها في أي سياق حِفاظا على رجولة الزوج.. وكأن الغيرة ليست إحساس بشري لأصحاب النفوس الضعيفة بغض النظر على نوعهم.

كانت حين تجلس وحدها تتحسس هذا الطوق المُكهرب في خنصر يدها اليسرى.. طوقٌ يرتبط غيابه بانتهاكها كامرأة فحينها ستحمل وصمة “مُطلقة” وتهمتها أنها خارج العِصمة.. أي عِصمة ومن العاصم ؟!! هل بالضرورة أن ما يعصم كرامة التاء اقترانها باسم (رجل) حتى لو لم يكن موجوداً في حياتها فعليا بالضمة والاحتواء.

إن خاتم الزواج من التقاليد الفرعونية القديمة بالأساس، وذلك يرجع إلى أن النقود آنذاك كانت على هيئة حلقات ذهبية، ووضع إحدى هذه الحلقات فى إصبع العروس يدل على أن الزوج قد وضع كل أمواله وكل ما يملك تحت تصرفها !!

 

أما فى القرن الثاني فقد بدأ الرومان اتباع تقليد ارتداء الخاتم في الخطوبة والزواج للدلالة على عقد المحبة والطاعة بين الزوجين، أما في القرن الثالث الميلادي فقد قام الرومان بابتكار تصميم جديد لخاتم الزفاف والذي يسمى بالـ “Fede” وهو عبارة عن يدين يلتقيان لتمثيل الثقة والوفاء بالوعود وكان العروسان يرتديان طوقا من الزهور على رأسهما وهو دليل على ارتباطهما، وعند الإغريق كانت العادات أقرب إلى ما نصادفه الآن من استهانة بوضع المرأة داخل الكثير من المجتمعات العربية، فكانت وقتها توضع يد الفتاة فى يد الفتى ويضمهما قيد حديدي عند خروجهما من بيت أبيها، ثم يركب هو جواده وهي سائرة خلفه ماشية مع هذا الرباط حتى يصلا إلى بيت الزوجية.!!. وعن قصة الدبلة فى اليمين عند الخطوبة ونقلها إلى الشمال عند الزواج، فترجع إلى أن اليد اليمنى هي التي نحلف بها يمين العهد، وفي مرحلة الخطوبة يعطي كلا الطرفين عهدا للآخر بأنهما سيرتبطان للأبد. وعند الزواج ينتقل إلى الإصبع الرابع من اليد اليسرى والذي يحوي شرياناً يمتد من الإصبع ليتصل مباشرة بالقلب، ويُعرف بشريان الحب “فينا أموريس”.

 

ودخول الألماس فى بعض الدبل له خصوصية خاصة، حيث إن الألماس هو الحجر الذي لا يُقهر ويرمز إلى الحب الأزلي، وبرز في بعض التصميمات أن الدبلة المرصعة بثلاث ماسات ترمز إلى الماضي والحاضر والمستقبل لتؤرخ مراحل الحب وديموته.
من هنا نجد أن رمزية وجود (دبلة الزواج) هو دليل على الحب والوفاء بالعهود.. الرعاية والكفالة وضمان مستقبل كريم لها ولأولادها.. على الأمان وصلابة الرباط المُقدس والمُبارك بينهما، مودة ورحمة كما نص عليه ديننا الحنيف، ولم يكن أبدا طوقاُ تروَّض به احتياجاتها أو دليلا على سطوة جلاّد يحبس روحها كطائرٍ بقفص بيته وعصمته.. يفتح له باب القفص في كل حين ويُذكره بمخالب الجوارح التي ستفترسه ليرضى بفتات الأمان التي يُلقيها إليه سجّانه.

 

كانت فور أن يلوّح بفتح باب العلاقة بقوله (روحي وانتِ…………..) تركض لتضع يدها على فمه كي لا يُكمل عبارته أو تستبقيه باختلاق أي عنصر تشتيت حتى لو ادعت الإغماء.. وترضي غروره بالبكاء.. لكنها في هذه المرة الأخيرة وقفت هادئة.. قانعة ومُنتظرة النهاية المحتومة لمثل هذه العلاقة المرضية، اقتنعت أن العلاقات الزوجية لا تحيا بأجهزة التنازل والتعايش داخل غرف العناية المُركزة كما أدركت مع تكرار محاولاتها على أمل تغييره بالحنان والسكوت لتجنب المشاكل وكي لا يتصيد من عفوية أي كلمة خطأً ما يجد به ذريعة جديدة للإهانة أو التقليل منها ومن ذكائها الذي يُشيد به الجميع.. لكنه وحده لا يراه أو هكذا يدّعي، وفور أن شرع في قوله.. أسقطت الطوق الذهبي اللامع من خنصر يدها اليُسرى أرضا واستدارت لترحل.. فالصراع مع الجوارح سيكون أكثر شرفا من انتظارها لثمرة حبٍ من شجرة ميتة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى