أنا حوابقلم آدم وحوا

د. أحمد صالح يكتب.. «المرأة التي انتصرت علي مجتمع ذكوري»

دايما بتعجب لما الحفيدات المصريات بيطالبوا بحقوق وجداتهن تجاوزنها بأشواط كبيرة، الجدة حصلت علي حق انها تكون الهة، بل أم الالهة، الجدة نالت وظائف لسه الحفيدات بيحاربو عليها، كانت قاضية والهة العدل، الجدات اعطوا وقت لمشاعر الحب والغرام بلا خجل، ولسه الحفيدات بيواجهن التحرش!.

 

من الجدات العظيمات “حتشبسوت” ودي لوحدها حاربت مجتمع ذكوري وانتصرت عليه.

 

حتشبسوت هي الحاكم الخامس في الاسرة الثامنة عشرة، وهي من انجح الحكام الفراعنة، وحكمت مدة زمنية معقولة تقارب الربع قرن، والمعروف ان الملكة حتشبسوت، ولدت في اواخر القرن السادس عشر قبل الميلاد، وعاشت خمسين سنة بالتمام والكمال، وأبوها هو الملك تحتمس الأول، وأمها هي الملكة أحمس، وتزوجت من أخيها النصف شقيق الملك تحتمس الثاني، وأنجبت منه ابنة وحيدة وهي نفرو رع.

 
لم يكن الشعب المصري يتقبل حكم الاناث، برغم وجود تجارب سبقت حتشبسوت، وحكم فيها النساء مصر مثل الملكة سوبك نفرو التي سبقت حتشبسوت بثلاثة قرون، وهناك نساء برز دورهم كشريك في الحكم دون ان يطلق عليهم لقب ملكة مثل ام الملك زوسر ني ماعت حاب ومثل الملكة اياح حتب ام الملكين كامس واحمس، واستطاعت حتشبسوت ان تتفوق علي النساء اللاتي سبقنها، فعهدها كان طويلا وتميز عصرها بالرخاء والسلام، وادارت حتشبسوت علاقات تجارية فقدتها مصر منذ عهد الهكسوس.
 
أشرفت علي اعداد اكبر بعثة تجارية في مصر، وهي البعثة التي ارسلتها في العام التاسع من حكمها الي بلاد بونت، وضمت البعثة خمس مراكب كبري ويبلغ طول كل مركب احدي وعشرين مترًا تضم في داخلها 210 رجل ومنهم بالطبع البحارة، وعادت بعثتها بنبات المر و31 شجرة لبان، ومن أجل الحفاظ علي هذه الاشجار اثناء الطريق وضعت في سلال، ويعد ذلك أول محاولة لنقل أشجار في العالم، وزرعت الملكة حتشبسوت هذه الأشجار في أفنية معبدها بالدير البحري، وخلدت أخبار هذه البعثة التي كانت تعتز بها في معبدها.
 
ويبدوا انها لم تقتصر علي ارسال بعثات الي بونت بل ارسلت بعثات ايضا الي جبيل بلبنان من اجل اخشاب الارز والي سيناء لاحضار الفيروز، ويحاول كثير من الباحثين ان يصف عهدها بالسلام ولكونها امرأة لم تبعث حملات عسكرية الي الخارج ولكن في نصوصها اشارات الي ارسال حملات عسكرية الي سوريا والنوبة.
 
وقعت حتشبسوت في حيرة من افكار الشعب حول الانثي، فهم يقدسونها ويعتبرونها جواز مرور الفراعنة الي كرسي العرش وفي نفس الوقت لا يتقبلونها تجلس علي العرش، وترجمت الحيرة في تماثيل وصور حتشبسوت فهي تحمل القاب الملوك الرجال واوصافهم، وارتدت النقبة الملكية التي يرتديها الرجال وتعرف باسم الشنديت، وهي تضع غطاء الرأس الذكوري وتضع اللحية المزيفة للرجال، ولكنها لم تستطع ان تخفي انوثتها ولا ثدييها ومثلت تماثيلها نفس حيرتها من شعبها.
 
ابتدعت حتشبسوت اسطورة كي تحاول ان تفرض علي الشعب افكارها، فهي ليست انثي عادية بل هي انثي وابنة الههم المحبوب امون وحكت في معبدها بالدير البحري ان الاله امون ذهب الي امها احمس وتجسد في جسد ابيها الارضي تحتمس الاول، وعندما دخل علي احمس وهي نائمة ايقظها العبير الالهي الذي يضعه امون، ووضع الاله علامة الحياة عنخ عند انف الملكة احمس واذا بالايحاء تحمل الملكة بابنة الاله، وقبل ان يغادر الاله مخدع الملكة احمس ابلغها انها ستنجب ابنة واسماها حتشبسوت، ومن غير المعروف كيف فكر الشعب في الاسطورة ولكن طول سنين حكمها يشير الي تقبلهم المؤقت ولكنه ظل يراقبها وينتقدها وسنري ذلك في الرسم المخجل الذي صورت فيه الملكة بجوار معبدها!.
 
كانت الملكة حتشبسوت بناءة عظيمة وتركت اثار كثير نسبها حكام لاحقين الي انفسهم وعلي الاخص الملك تحتمس الثالث، واعتمدت في مشروعها البنائي علي مهندس عظيم من ايام ابيها وهو المهندس انيني واستخدمت مهندس اخر سيكون له عظيم الشأن في عهدها وهو سننموت.
 
رممت الملكة معبد موت داخل حرم معابد الكرنك بالاقصر، وتركت مسلتين احداهما قائمة وهي الاطول في العالم والاخري مكسورة الي جزئين وملقاة علي ارض الكرنك، وشيدت مقصورة داخل معابد الكرنك توصف بالمقصورة الحمراء للون احجارها ويبدو انها كانت مقصورة مركب، وهي التي تركت المسلة الموجودة في اسوان بعد ان تصدعت وهي التي تشتهر باسم المسلة الناقصة.
 
وشيدت معبدًا للالهة باخت في اسطبل عنتر علي الضفة الشرقية للنيل، وتبعد اسطبل عنتر 2 كم جنوب بني حسن بالمنيا، واسمي الاغريق هذا المعبد باسم معبد سبيوس ارتيميدوس، وارتيميدوس هي الهة الصيد عند اليونان وتشبه الالهة باخت، وباخت هي شخصية مركبة بين الالهة باستت وسخمت، وذكرت حتشبسوت علي هذا المعبد انها تكره الهكسوس الذين احتلوا بلدها وخربوا المعابد واوقفوا عبادة الالهة، وتشاء الاقدار ان يغتصب الملك سيتي الاول هذا المعبد لنفسه، ووضع اسمه مكان اسم حتشبسوت.
 
وأهم ما شيدته حتشبسوت هو معبد الدير البحري في غرب الاقصر وهو عبارة عن مبني ذو اعمدة يطل علي شرفات، وكان المعبد محاط بالحدائق وذكرنا سابقا انها جلبت اشجارا من بونت، وزرعتها في هذا المعبد، ومن يشاهد هذا المعبد من الجو او من اعلي الجبل يشعر بان بين المعبد والجبل هارمونية وانسجام معماري، وهو طراز فريد يتكون من ثلاث مسطحات، وكل مسطح ينتهي بشرف، وبين المسطحات طرق صاعدة، ويمثل المعبد عبقرية معمارية فريدة.
 
تركت الملكة حتشبسوت تماثيل وقطع نحتية كثيرة جدًا، ولن تجد متحف في العالم يخلو من تمثال او لوحة للملكة حتشبسوت، ويعد متحف المتروبوليتان اكثر المتاحف في العالم بعد المتحف المصري في عدد القطع الخاصة بحتشبسوت، ولذا خصص قاعة لها واسماها “قاعة حتشبسوت”.
 
وقبل ان نختم كلامنا بقي الرسم المخجل الذي رسمه أحد الاشخاص بجوار معبدها في الدير البحري وصور فيه الملكة وهي في علاقة جنسية فاضحة مع سننموت ولو رأت الملكة هذا الرسم لانتحرت، وكان سننموت شخصية نكرة رفعته الملكة الي اعلي المناصب لولائه لها، وجعلت ابنتها نفرو رع تحت اشرافه وتربيته، وارتقي الي وظيفة مدير قصر الملكة وهو الذي شيد لها معبدها بالدير البحري ومقبرتها، وشيد سننموت مقبرته بجوار هذا المعبد، وارتبطت الملكة عاطفيا بسننموت وارتبط هو ايضا بها، ولكن نهايته كانت غامضة وربما تكون الملكة انقلبت عليه بسبب تجرؤه وفتح سرداب بين مقبرته ومعبدها!.
 
وماتت حتشبسوت بعد ان قضت في الحكم 22 سنة وشارفت علي الخمسين من عمرها ولا يعرف كيف ماتت الملكة؟، ولا يعرف حتى ان كان هذا الجسد الذي ينسب اليها هو جسدها أم لا؟ ولا سيما ان الفحوص الطبية التي اجريت علي هذا الجسد اضافت امراض كثيرة له، ففي بعض الاحيان تلوث في الدم، وفي احيان ثانية التهاب في المفاصل واخيرًا مرض السكري!!
ش
شماتت الملكة العظيمة حتشبسوت، وكانت شخصية ذكية وجميلة وصاحبة شخصية قوية، وكانت وطنية حين عبرت عن كرهها للمحتلين الهكسوس، وقوة شخصيتها جعلتها تحكم مصر لربع قرن.
 
علي الحفيدات ان يقفن علي شوارع موكب المومياوات الملكية ويلقين الزهور علي عربة الملكة في موكب المومياوات الملكية، فهي النموذج الذي يجب ان يضعهن في اذهانهن وهن يطالبن بحقوقهن!.
 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى